#adsense

لماذا نلوم سوريا؟

حجم الخط

هي سوريا حرّة في اتهام مَن تريد في لبنان، وتحميله من الذنوب والآثام ما لا تحمله إسرائيل في أدهى أزمنة الغدر والطعنات، ما دام حلفاؤها في لبنان يصفّقون لها في كل قول وفي كل فعل وفي كل قرار.

وهي حرّة في عزل مَن تريد في لبنان، وفي تجريده من حقوقه وموقعه ودوره وأمسه وغده وحتى من ثيابه، ما دام حلفاؤها في لبنان يباركون لها ما تأمر وما ترمي وما توحي وما تفعل يداها يمينا ويسارا.

وهي قادرة على تغييب مَن تريد في لبنان، فتحوّل الأقزام عمالقة والمرابين أطهارا والعملاء أبطالا، ما دام حلفاؤها في لبنان يُهللون لها من دون قيد أو شرط، ومن دون تذمّر او تأفف او شكوى او سؤال.

وهي قادرة على ترسيم حدود هنا وطمس حدود هناك، وعلى تعيين سفير هنا واعتماد آخر هناك، وعلى إلغاء انتخاب هنا وتبَنّي انقلاب هناك، ما دام حلفاؤها في لبنان يبصمون على الزور فيكون عدالة، وعلى الباطل فيكون صوابا، وعلى الطعن فيكون أمانة، وعلى الهزيمة فتكون انتصارا.

هي سوريا قادرة على تسليح هذا فيكون مقاوما، وعلى تعرية ذاك فيكون متآمرا. وقادرة على تسويق سلاح فيكون حاجة، وعلى نزع سلاح فيكون آفة. وقادرة على تحريك جبهة فتكون جهادا، وتجميد جبهة فتكون التزاما. ما دام حلفاؤها في لبنان يرون في سلاحها طريقا الى الغنائم، وفي رضاها طريقا الى المواقع، وفي تعاليمها طريقا الى النور واليقين.

الأكثرية هنا تكون عددا ورقيا، والأكثرية هناك تكون عدداً بشريّا. والأقلية هنا تكون طرفا حتميا في السلطة، والأكثرية هناك تكون طرفا حتميا خارج السلطة. وصناديق الاقتراع هنا تكون صناديق مفخخة بالرشاوى والمال، وصناديق الاقتراع هناك تكون متخمة بالوفاء والإيمان والولاء والالتزام.

التجمّع في الثامن من آذار يكون تجمّعا إلهيا، ويكون في الرابع عشر من آذار تجمّعا كافرا. والسجن لهذا يكون عقابا، والسجن لذاك يكون تجنّيا. والتهمة لهذا تكون ضياء، والتهمة لذاك تكون افتراء. ويكون قتل هذا عدالة، وقتل ذاك جريمة. ويكون لبنان الخانع خاصرة حصينة، ولبنان الحر خاصرة هزّازة. ويكون لبنان السيّد جارا ثقيلا، ولبنان المستقل جارا دخيلا.

عندما تحكم سوريا يكون لبنان محكوما، وعندما يحكم لبنان تكون سوريا متوجّسة، وعندما يقوم لبنان يكون خطرا يجب اقتلاعه، وعندما يهوي يكون خطرا يجب احتواؤه.

ما بين لبنان وسوريا رواية طويلة كتبها مؤلف واحد، وتلاها خطيب واحد، وقرأها قارئ واحد، وسمعها صَاغٍ واحد… إنها كتاب يُطبع في دمشق ويُنشر في بيروت، ومَسار يُرسم في دمشق ويمشي في بيروت. فلماذا نلوم سوريا ما دام حلفاؤها في لبنان لا يعرفون كيف يَحكمون من دون سوريا وكيف يُحكَمون من غير سوريا، وما داموا لا يجيدون القراءة في كتاب آخر أو العيش بعيدا… من وطن آخر؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل