#adsense

وباء الحقائب

حجم الخط

وباء الحقائب

ابتسم الطبيب ليبدد قلق الزوجة. الأمر بسيط وهو من الحالات الشائعة. سألها عن زوجها والأيام التي سبقت نقله الى قسم الطوارئ. قالت إن زوجها أصيب بحال من التفاؤل إثر توقيع «اتفاق الدوحة». أفرط في التفاؤل حين رأى المجلس النيابي يودّع صمت القبور وينتخب رئيساً. غيّر برامجه وقرر قضاء إجازة في ربوع لبنان. زوجي قلبه طيب. يصدّق السياسيين حين يتبادلون الابتسامات والمصافحات. سامحه الله. قالت ونظرت بحب الى الرجل الممدد.

طالبها الطبيب بأن تكون أكثر دقة. قالت إن زوجها أصيب فور وصوله بمرض البحث عن مخرج. يشتري صباحاً رزمة من الصحف ويروح يركض بين الأخبار والتحليلات والمقالات. زاد استهلاكه من القهوة وأفرط في التدخين وتراجعت شهيته للطعام. ضاعفت الشاشات المشكلة. يتابع برامج الحوارات السياسية. لاحظت انه يتوجع من كلام الضيوف. يبرق الغضب في عينيه ويستعين بسبحته وعلبة السجائر كي لا يرشق التلفزيون بشيء ما.

حكت أن زوجها وبعد يومين من الوصول اتخذ قراراً غريباً. أعادت الثياب الى الحقائب. حاولتُ أن أثنيه فلم أنجح. يجب أن تبقى الحقائب جاهزة. قال بلهجة قاطعة. أبلغته أن اللبنانيين استخلصوا العبر مما حدث. وأن التجارب زادتهم نضوجاً. وأن القيادات تتمتع بمستوى رفيع من المسؤولية الوطنية والأخلاقية. رد بابتسامة هازئة وأصر على بقاء الحقائب جاهزة. لاحظت أنه حصل على جدول لحركة الطائرات من مطار بيروت. سأل عن فرص المغادرة الى لارنكا. درس الطرق البرية وانتشار أنصار 8 آذار و14 آذار عليها وعلى ضفافها. وطالب السائق بأن تبقى سيارته ملأى بالوقود.

طالبها الطبيب بالمزيد. قالت إن زوجها متفائل أصلاً لكنه لم يبتسم منذ أيام. يرفض الارتباط بأي موعد ويرجئ ذلك الى ما بعد قيام الحكومة. حكومة الوحدة الوطنية. وسمعته يقول لا وحدة ولا وطنية. وضبطته يفاوض الصيدلي مستفسراً عن أنواع المهدئات. فجأة تدهورت صحة هذا المواطن الصالح. يشعر بعسر في الهضم. قال. وبصعوبة في الفهم. وتراجع في القدرة على الاحتمال والاتصال. حال عميقة من الغثيان. رغبة دائمة في التقيؤ. ولاحظت أنه يسارع الى تفقد الحقيبة إذا سمع تصريحاً نارياً لوئام وهاب، ورداً من أحمد فتفت، وتصريحاً لنبيل نقولا.

كان الرجل الممدد يهذي. اتفاق الدوحة واضح. 16 حقيبة للموالاة. 11 للمعارضة. 3 لرئيس الجمهورية. خافت الزوجة أن يهذي بما لا تحمد عقباه. كأن يتعرض لقوى لا تتسامح حيال من يتعرض لها. أو لرموز لا يجوز الاقتراب من هالاتها. وحينها قد يصبح تأديبه واجباً. حاولت إسكاته فزجرها الطبيب. صرخ الرجل الممدد. ضاعفوا الحقائب. شكلوا حكومة من ثلاثمئة بدلاً من ثلاثين. وزّروا الأبناء والأصهار وأبناء الأعمام والأخوال. وزّروا المرافقين والمستشارين. وزعوا الحقائب بسخاء وليستمتع جيش الطامحين والمتربصين والجشعين بلقب معالي الوزير.

تابع الرجل. قصة اللبناني قصة حقائب. يجب أن تبقى حقيبتك جاهزة. منذ أكثر من ثلاثة عقود وعينه على الحقيبة. يسارع إليها إذا التهب خط التماس. وإذا اعتدت إسرائيل. وإذا اندلعت حروب أهلية داخل المناطق. وإذا تقاتل قبضايات الحي. وإذا تعكرت إقليمياً. مرة يفر الى الملجأ. ومرة يبتعد الى منطقة أقل ذعراً. ومرة يسلك طريق المطار. وأخرى طريق المرفأ. وثالثة الى المصنع.

هذا بلد الحقائب قال الرجل الممدد. حقائب سيادية. قالها وأطلق ضحكة هستيرية. اتهام الحقائب بالسيادية يثير الرغبة في الضحك. الجمهورية حقائب. والأرض حقائب. والمناطق حقائب. والطوائف حقائب. ومن طبيعة الحقائب أنها صالحة للخطف.

الرجل الممدد يهذي. يتنقل الدم بين المناطق ويقترعون على الحقائب. ما هذا الجوع العميق والعتيق؟ يتفكك الوطن وتزهر خطوط التماس بين الطوائف والمناطق والمذاهب والفعاليات ويستمر التلاعب بالحقائب. هذا معيب. هذا مشين. حقن الطبيب المريض بالمهدئات. وكتب للزوجة: يمنع من قراءة الصحف. ومن مشاهدة التلفزيون. إنها الحقبة الأكثر سواداً وانحداراً في تاريخ الوطن. حقيبة المهدئات هي حقيبة إلزامية لكل مواطن. لم يحدث أن أُهين أحد كما يهان اللبناني العادي اليوم.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل