
“لا يريده رئيساً للحكومة”. لا مغالاة في اختصار المضمون الفعلي لرسالة رئيس الجمهورية ميشال عون التي وجَّهها إلى مجلس النواب بواسطة رئيسه نبيه بري، معتبراً أنه لا يجوز أسر التأليف إلى أفق زمنيّ غير محدد، وأصبح من الثابت أنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري عاجز عن تأليف حكومة قادرة على الإنقاذ، ولا يزال يأسر التأليف بعد التكليف ويؤبّده، متجاهلاً كلّ مهلة معقولة للتأليف.
فور نشر رسالة عون، سارع الحريري إلى التغريد، بأنها إمعان في سياسة قلب الحقائق والهروب الى الأمام، متوعِّداً أن للحديث صلة في البرلمان. في حين لم يتأخَّر بري في تعيين موعدٍ لعقد جلسة لمجلس النواب في الثانية من بعد ظهر يوم عد الجمعة في قصر الاونيسكو لتلاوة رسالة رئيس الجمهورية.
عضو كتلة المستقبل النائب محمد الحجار، يعرض، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، لمجمل مسار عملية تكليف الحريري، منذ البداية. ويقول، إن “الحريري منذ تكليفه في 22 تشرين الأول 2020 وبعد حصوله على 65 صوتاً من مجلس النواب، تصرَّف بموجب المادة 64 من الدستور، وقام بالاستشارات النيابية غير الملزمة مع الكتل النيابية، وعقد 18 اجتماعاً مع رئيس الجمهورية وقدَّم له في 09/12/2020 تشكيلة حكومية من 18 وزيراً من اختصاصيين مشهود بكفاءتهم من غير الحزبيين، أي لم تسمِّهم الأحزاب لكنهم ليسوا ضدها”.
ويضيف، “منذ ذلك التاريخ والتشكيلة تنتظر عند رئيس الجمهورية الذي وعد بدراستها ووضع ملاحظات عليها، لكن حتى اليوم لم يخرج ويعلن علانية ما هي ملاحظاته عليها. بالعكس، لاحظنا طوال الفترة الماضية أن هناك أداء وتعنُّتاً عونياً، أي عوني ـ باسيلي، بتجاوز الدستور ووضع أعراف جديدة، ونصب كمائن للحريري لإحراجه فإخراجه”.
ويلفت الحجار، إلى أن “عون مدعوم من قبل الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، الذي يعلن أنه يريد حكومة نعم، لكنه لا يمارس الدور اللازم مع حليفه، أي العهد وفريقه والنائب جبران باسيل، لتسهيل تأليف الحكومة فعلاً”، مؤكداً أن كل الموضوع يكمن في أن فريق عون ـ باسيل لا يريد سعد الحريري رئيساً للحكومة. والجميع يذكر كلمة عون المتلفزة في 21/10/2020 أي اليوم الذي سبق الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية الرئيس المكلف، إذ كان إيحاء عون للنواب واضحاً فيها لعدم تسمية الحريري”.
ويشير، إلى أنه “بعد ذلك، تابعنا محاولات لإحراج الحريري لتطفيشه، حين استخدم عون كلمات خارج اللياقة، في فيديو مسرَّب، وقال عن الحريري إنه كذّاب وادّعى أنه لم يقدِّم للرئيس المكلَّف لائحة أسماء للاستيزار، ليتبيَّن بعدها كذب عون بعدما عرض الحريري على الإعلام اللائحة التي أرسلها إليه رئيس الجمهورية. ومن ثم، حين استدعى رئيس الجمهورية الرئيس المكلف عبر شاشة التلفزيون للقائه في بعبدا وقال إما أن يؤلِّف أو يعتذر”.
ويضيف، “كذلك حين أرسل عون، عبر درّاج، جدولاً لسعد الحريري بالوزارات طالباً منه تعبئته، قبل الاجتماع الأخير رقم 18 بينهما، وخاطب سعد الحريري يومها بصفة رئيس الوزراء السابق لا بصفة الرئيس المكلف”، معتبراً أن “هذه الطريقة في التعاطي تؤكد أن عون لا يريد الحريري رئيساً للحكومة، على قاعدة إما أن يكون الحريري وباسيل سوياً فيها أو لا يكون الاثنان، ضارباً بعرض الحائط كل ما يريده اللبنانيون والمجتمع الدولي، وبأمر أساسي هو إرادة مجلس النواب التي عبّر عنها 65 نائباً بتسمية الحريري”.
وإذ يؤكد أن “من حق رئيس الجمهورية توجيه رسالة إلى مجلس النواب، لكن في المضمون، هو يريد أن يضع يده من خلال هذه الرسالة والمجلس النيابي على موضوع تأليف الحكومة، وهنا المخالفة الدستورية. فعون اليوم يقحم البرلمان في قضية هي من صلاحيات رئيس الجمهورية والرئيس المكلف حصراً لا من صلاحية مجلس النواب. بالتالي، بمضمونها، لا جدوى من هذه الرسالة”، لافتاً إلى أن “أقصى ما يمكن للبرلمان فعله هو رفع توصية، إنما لا قيمة دستورية لها. قيمتها سياسية ومعنوية نعم، لكن قد تنعكس سلباً على الأوضاع العامة”.
ويعتبر الحجار، أنه “إمّا أن يسهِّل عون تأليف الحكومة ويوقِّع المراسيم، وفي حال كان لديه ملاحظات فليعلنها ويتناقش فيها مع الرئيس المكلف، أو يذهب للاحتكام إلى مجلس النواب بعد توقيع مراسيم تشكيل الحكومة، فإما أن تنال الثقة أو تُحجب عنها. أما أن يحاول وضع نفسه محلّ مجلس النواب والرئيس المكلف وكل شيء، لا، نحن في نظام برلماني لا في نظام رئاسي”.
من ناحيته، يشير عضو اللقاء الديمقراطي النائب فيصل الصايغ، لموقع “القوات”، إلى أنه “ليس سراً أن فخامة الرئيس لا يريد الحريري رئيساً للحكومة، ويفضِّل دفعه إلى الاعتذار وأن يُشكِّل حكومة مع من يرتاح إليه، وطبعاً بما يمنحه مزيداً من السلطة على الحكومة. ومن الواضح أن رئيس الجمهورية يبعث برسالة تطفيش للرئيس الحريري من تشكيل الحكومة، لكن دستورنا لا يقول بذلك والحريري متمسك بتشكيلها، وأعتقد أنه قام بما عليه وقدَّم ما يلزم، ونحن بانتظار توقيع رئيس الجمهورية”.
ويرى الصايغ، أنه “في الشكل، طبعاً يحق لرئيس الجمهورية توجيه رسالة إلى البرلمان، إنما في مضمون هذه الرسالة وكأننا نقول نريد تفسير الدستور، وتفسيره عملياً هو تعديل، وكأننا بصدد إجراء تعديلات دستورية، ولا أعتقد أن ذلك سيمرّ. ونتمنى على الرئيس بري ألا يفتح المجال للنقاش الذي يؤدي إلى مزيد من الانقسامات السياسية والتوترات في البلد”، معرباً عن اعتقاده بأن “بري قد يتلو الرسالة أمام البرلمان ويرفع الجلسة، فالبلد لا تنقصها المشاكل”.
ويشدد، على أن “الحزب التقدمي الاشتراكي يدعو دائماً إلى التسوية. وبدل تبادل الرسائل والردود، نحن ندعو الفريقين اللذين يملكان صلاحيات توقيع مراسيم التشكيل، إلى التنازل كلّ من جانبه قليلاً وتشكيل الحكومة. لكن للأسف، لا يبدو أن الأمور تتجه إلى التسوية بل إلى تصعيد إضافي، ولا حلول في الأفق”.
