مصير لبنان: بين القدرة على التفعيل والطاقة على التعطيل
عادل مالك
عادل مالك
انه زمن التحولات الكبيرة لبنانياً واقليمياً ودولياً من لبنان إلى إيران مروراً بدمشق وبغداد وصولاً إلى أنابوليس ذهاباً وإياباً.
قبل ثلاثة شهور ومن هذا المنبر بالذات حاولنا أن نرسم صورة تجمع بين تجارب الأمس القريب واستشراف المستقبل الآتي قدر المستطاع، وكان التحليل في حينه أن العام الحالي سيُقفل على «سيناريو قلب الطاولة في المنطقة على الجميع» («الحياة» 7 ايلول/ سبتمبر 2007).
وحتى كتابة هذه السطور كانت مشهدية المسرح اللبناني تشير إلى تعمق الأزمة الفاصلة بين الأفرقاء اللبنانيين وان كل المبادرات التي طُرحت من داخل الحدود ومن خارجها فشلت في التوصل الى حل.
والقابض على الموقف العام سباق محموم بين القدرة على التفعيل والطاقة على التعطيل، وان لا توافق على التوافق بين الأفرقاء اللبنانيين رغم التأييد، الظاهري على الأقل، للعماد ميشال سليمان كرئيس ينقل الجمهورية من حالة الفراغ السائدة إلى مرحلة أكثر استقراراً وإخراج الوطن من دوامة انعدام الحلول.
ومع أن المسافة بين مكتب قائد الجيش في وزارة الدفاع في اليرزة، ومكتبه الجديد في القصر الجمهوري في بعبدا، قريبة جداً ولا تتجاوز الميل الواحد، لكن حجم الملابسات الدستورية والسياسية والوطنية والشخصية أبعد بكثير وأدى إلى كل هذا التأخير ليعكس حالة التباعد القائمة بين شركاء الوطن، كل طرف منهم متمسك بمواقفه ومطالبه.
وفي العودة إلى بعض تطورات الأيام والأسابيع الماضية يكشف النقاب عن العديد من المفاجآت.
فأول مرة طرح فيها اسم العماد ميشال سليمان كمرشح توافقي للرئاسة كانت من جانب الترويكا الأوروبية (فرنسا وإيطاليا واسبانيا)، وأكثر تحديداً وزير خارجية إيطاليا ماسيمو داليما.
هذه مفاجأة، أما المفاجأة التالية فكانت في رفض فريق الأكثرية لهذا الطرح. لكن التطورات المتسارعة التي اعقبت هذا الرفض أدت إلى عودة الأكثرية عن رفضها وتبنيها طرح إسم العماد سليمان، وبذلك سجل تجمع 14 آذار (مارس) تراجعاً عن الاعتراض على تولي شخصية عسكرية منصب الرئاسة، والأهم من ذلك الموافقة على تعديل بعض مواد الدستور اللبناني (وخاصة المادة 49 منه) تسهيلاً لهذه المهمة، الأمر الذي اعتبرته المعارضة في بادئ الأمر وكأنه مناورة سياسية باعتبار أن زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون وسائر أطراف المعارضة من «حزب الله» إلى حركة «أمل» كانت ستطرح اسم العماد سليمان كرئيس توافقي. وبذلك حدثت عملية خلط أوراق الأزمة اللبنانية والمساعي الهادفة إلى إيجاد حلول لها. وعادت حالة التجاذب الحاد بين الموالاة والمعارضة لتعقد الأمور من جديد خاصة بعد تمسك العماد عون بالمبادرة التي أطلقها وهي تنص في خطوطها العريضة على التوافق السياسي أولاً قبل التوافق الدستوري، كما تدعو إلى أن لا تتعدى ولاية الرئيس العتيد السنتين كفترة انتقالية يتم بعدها التفاهم على رئيس جديد للجمهورية لولاية كاملة (6 سنوات).
وعاد وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير إلى لبنان لمتابعة مهماته الوفاقية لكنه اصطدم بالكثير من العقبات التي لا يزال يعمل على تذليلها وفي طليعتها التفاهم على الحكومة الجديدة التي ستشكل بعد انتخاب رئيس الجمهورية واصرار المعارضة على عدم تفويت الفرصة وتكريس مبدأ الشراكة في الحكم بين الموالاة والمعارضة. ويدرك الوزير كوشنير قبل غيره أنه، خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان وامام الصعوبات التي رافقت التفاهم على شخص رئيس الجمهورية، كان القائل بعصبية واضحة: «ما بالكم يا أصدقائي اللبنانيين؟ ما الذي بقي من صلاحيات رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف»؟ ووجه اليهم النصيحة بـ «ضرورة التركيز على الحكومة الجديدة لأنها هي التي تمتلك الصلاحيات على الصعيد التنفيذي»، فإذا به يفاجأ بأن تعيقدات تأليف الحكومة الجديدة أصعب بكثير من التوافق على شخص رئيس الجمهورية.
وكالعادة ادى فتح مسلسل الاتهامات والاتهامات المضادة من جديد الى حد اتهام المعارضة بأنها تعمل لحساب إيران.
وسؤال من ضمن الأسئلة الكثيرة المتداولة: هل أن الحل «صنع فعلاً في لبنان» وتمت عرقلته من الخارج؟ أم أنه حل «صنع للبنان» في الخارج وجرى تعطيله من الداخل؟
التفاصيل اللبنانية كثيرة ومتشعبة والإطالة بكل متاهاتها عملية صعبة ومعقدة قدر تعقيدات الأزمة الللبنانية نفسها وحيث أن تطورات الخارج تنعكس على الداخل والعكس هو الصحيح، ينبغي التطرق إلى آخر المستجدات على الصعيدين الاقليمي والدولي. وفي طليعته تلك «المفاجأة» التي فجرها رؤساء ستة عشر جهازاً استخباراتياً أميركياً بتقريرهم الذي «برأ» إيران من تهمة انتاج المزيد من الأسلحة النووية ومنحوها «شهادة حسن سلوك نووي» عندما أورد تقريرهم أن إيران اوقفت العمل ببرنامجها النووي قبل أربع سنوات.
وفي هذا القول منح صك البراءة لطهران، والطعن الواضح بصدقية الرئيس جورج دبليو بوش، الذي أسقط في يده بعدما بلغه مضمون تقارير الاستخبارات، فهل باستطاعته أن يشكك في معلومات أجهزة الاستخبارات وأن يقول لرجالها: لماذا تكرهوننا مثلاً؟ وهو واحد من الشعارات التي طرحها قبل سنوات بعد تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).
ومن هذا المنطلق عمد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى استغلال مضمون تقرير الاستخبارات الأميركية والإدعاء على الرئيس بوش بتهمة تشويه سمعته النووية!
وإلى جانب ذلك ازدادت «نجومية» الرئيس أحمدي نجاد تألقاً وأحدثت مواقفه وطروحاته اختراقاً مزدوجاً بالانتصار على السياسة الأميركية في المنطقة ـ ذكاء أم غباء من جانب مواقف واشنطن والنتيجة واحدة ـ كما أنه فرض حضوره على ملوك وقادة مجلس التعاون الخليجي في مؤتمر القمة الأخير الذي عقد في الدوحة. وقد أثارت دعوته لهذه القمة العديد من التساؤلات اضطرت معها قطر للقول إن الرئيس الإيراني هو الذي طلب توجيه الدعوة إليه للقمة الخليجية. ليبقى السؤال: كيف ستترجم إيران هذه المتغيرات والتحولات في المواقف عملياً في المنطقة؟
كتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً تساءل فيه: «من هو بحاجة إلى أسلحة نووية عندما تكون لدينا مثل هذه «الأميركا»؟ وختم بالقول: «الله أكبر… عاشت الثورة الإيرانية»!
وفي معرض ايجاز الواقع من لبنان إلى إيران مروراً بدمشق وبغداد وصولاً إلى أنابوليس، نتوقف عند النقاط التالية:
* تعليقاً على «عدم نجاح» المبادرة الفرنسية في العثور على حلول للأزمة اللبنانية تحدثت معلومات جدية عن عرقلة أميركية لمساعي باريس، بعدما اقتربت هذه المساعي من التوصل إلى نتائج ايجابية. وسبق للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن حصل على «تفويض» من الرئيس جورج دبليو بوش سواءً بالتعاطي مع الواقع اللبناني واستطراداً فتح فرصة جديدة من التحاور مع دمشق. لكن تضارب المصالح والنفوذ بين الدول الكبرى عرقل بلوغ الحلول ولو إلى حين.
* سجلت دمشق نقاطاً لصالحها عندما تعهدت بعدم التدخل في الاستحقاق الرئاسي في لبنان، وهي قالت لفرنسا ولبعض الدول الأوروبية: لم نتدخل وهذه هي النتيجة؟
والجواب: اتصال هاتفي مطول بين الرئيس ساركوزي والرئيس بشار الأسد، جرى فيه «التمني» على دمشق باستخدام نفوذها لتسهيل حل الأزمة في لبنان. وفي المقابل كانت مشاركة سورية في مؤتمر انابوليس تطوراً مهماً يعني بالنسبة اليها الاعتراف بدورها من جديد بعد «المقاطعة»، كما يعني بالنسبة الى واشنطن وحلفائها أمراً آخر وهو إحداث عملية «فض اشتباك ومصالح» بين سورية وإيران، وهذا ما تراهن عليه بعض الأطراف اللبنانية والدولية. ويبقى شعار: «لبنان لا يحكم من سورية، ولا تُحكم سورية من لبنان» هو الشعار الواقعي والعملي لتنظيم «اشكالية التعامل» بين بيروت ودمشق.
* التحول المفاجئ في مواقف تجمع 14 آذار من حيث اسقاط التحفظ على اختيار شخصية عسكرية لسدة الرئاسة واستطراداً الموافقة على تعديل الدستور اللبناني على الكثير من المواقف والتحولات التي حكمت وتحكمت بمسار الأزمات في لبنان. وليس تعبير الأستاذ وليد جنبلاط حول اعتماده الواقعية في التعاطي مع الأطراف اللبنانية على اختلافها، إلا مؤشراً على تبدلات آتية على لبنان. وكذلك تشديده على ضرورة التمسك بالسلم الأهلي انما يطرح بقوة المخاطر من استخدام الساحة اللبنانية مجدداً لتصفية الصراعات أو التنافس على الزعامات الاقليمية والدولية التي تستخدم الشعب اللبناني كذخيرة حية لحروبها.
* لقي تقرير أجهزة الاستخبارات المركزية الأميركية ارتياحاً لدى بعض الأوساط فيما تحفظ عليه البعض الآخر وفي طليعتهم الرئيس جورج دبليو بوش وعلى الأخص نائبه ديك تشيني الذي يتابع اتخاذ المواقف التصعيدية في المنطقة من الملف النووي الإيراني، إلى عملية السلام الفلسطينية – الإسرائيلية. وفيما اعتبرت أطراف كثيرة أن التقرير الاستخباراتي الأميركي يسقط إلى حد ما الخيار العسكري في التعاطي مع إيران، فإن من تبقى من فريق «المحافظين الجدد» الذين يعملون على تحريض الرئيس الأميركي على اغتنام فرصة بقائه في البيت الأبيض سنة أخرى وأخيرة لتصفية حسابات مع الذين تمردوا على معلومات بل على تعليمات الإدارة الأميركية، لا يبعث على كثير من الارتياح.
ألم يوجه المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئي الدعوة إلى مشاهدة هزيمة الولايات المتحدة على الساحة اللبنانية، وكذلك دعوته لإفشال ما تم التفاهم عليه في مؤتمر انابوليس؟
ان لعبة الأمم بين الكبار والصغار لها أثمان باهظة يتحملها الكبار لكنها تفوق بالتأكيد طاقة وقدرة الصغار.
تعليقاً على الانقسامات القائمة بين الأطراف اللبنانية طرح أحد الديبلوماسيين الغربيين اللجوء إلى «الحل الأفغاني» والذي يدعو إلى تأليف ما يسمى بـ «لويا جيرغا» (نوع من مجلس شورى يمثل كل الأعراق والطوائف) لإدارة شؤون البلاد والعباد.
ومن المفارقات: كان التحذير من أفغنة الوضع في لبنان أو من بلقنته فإذا بالوطن يقترب أكثر فأكثر من تكريس فيديراليات الطوائف.
من مفارقات الوضع اللبناني وما أكثرها أن الأزمات تأتيه دفعة واحدة في حين أن الحلول تأتي إليه بالتقسيط.
أن الشراكة الحقيقية في الوطن تستدعي تقديم تنازلات تبادلية حتى لا تتحول أزمة التوافق على الرئيس العتيد للجمهورية إلى أزمة «صانعي الرؤساء» وما يستتبع ذلك من تداعيات على صعيد تعميق أزمة الثقة المستعرة بين كل الأطراف. والأوطان لا تبنى على الأحقاد وعلى الأنانيات والاستئثار بالسلطة وبالتسلط.