#adsense

طوائف ووطن

حجم الخط

طوائف ووطن

الأب ميشال سبع

 

الكل يعرف ويدرك ان غبطة البطريرك صفير لم يرد ان يسمي أحداً في انتخابات الرئاسة والكل يدرك ويعرف انه لم يقرر يوماً ان يكون طرفاً سياسياً، لكن الرجل هو مرجعية مسيحية بامتياز ليس باختياره ولا بطلبه بل بسبب موقعه الذي ترادف مع الاستقلال وبطريرك الموارنة الذي له منزلة خاصة في الفاتيكان لرعاية الشأن المسيحي في لبنان تعامل معه الغرب على هذا الأساس لا بل حتى الأشقاء العرب تعاملوا معه أيضاً على هذا الأساس. والبطريرك ليس موظفاً في الدولة اسوة برؤساء الدين الاسلامي بل هو منتخب من مجمع له سلطان تراثي ومعاني وبالتالي فليس هناك من سلطة مدنية يمكنها ان تؤثر فيه او عليه لذا فقناعاته اولا ليست شخصية بل منبثقة من المجمع الذي اختاره وثانيا، لا يخضع لتأثيرات رسمية او مدنية وهو عندما سمى مؤخراً فذاك ليس بسبب ضغوطات رسمية أو مادية بقدر ما هي معنوية حيث صوروا له ان الانقاذ اللبناني متأت فقط من تسميته وان المسلمين مستعدون للسير وراء تسميته، وقد اتضح للمرة الثانية ان الغرب لا يفهم حتى الآن الذهنية العربية ولا التركيبة اللبنانية، واذا كان لم يؤخذ برأي البطريرك فهذا ليس لأنه فشل في مهمته بل لأن الآخرين فشلوا في تطبيق قرار اتخذوه واعلنوه ومن ثم تراجعوا عنه، وبالتالي فليس ما حدث مبرراً كافياً كي يقال ان على البطريرك ان يلتزم الشأن الديني ولا يتعاطى الشأن السياسي.


ان كل المؤمنين بعلمانية الدولة يتمنون الا يكون هناك تدخل من رجال الدين في شؤون الدولة لكن في المقابل ايضا لا يجوز ان تكون الطائفة مرجعية السياسي، فلا يجوز ان يقول فلان من القادة انه يمثل اكثرية طائفته ومن ثم يقول لرئيس طائفته انعزل عن الشأن السياسي وأنا أقود هذا التمثيل. أما ان تكون الطائفة فيكون رئيسها مرجعاً وأما لا تكون هناك طائفة ولا طائفية عندها ينتفي دور رجال الدين ـ وهذا مطلب وطني حقيقي ـ ويصبح الزعيم هو وطني ولكل المواطنين والوطن.


من ناحية اخرى، هل يمكن الطلب من البطريرك ان ينعزل عن الشأن السياسي في الوقت الذي يصبح فيه رئيس حزب أو طرفاً رئيساً دينياً ومرجعية دينية بحكم الواقع اي يتجاوز حتى الرسمي من الانتخاب والتعيين. وهل يمكن لأي مسيحي في لبنان ان يقبل بذهاب مرجعيته الدينية في الوقت الذي تتصاعد فيه المرجعيات الدينية الأخرى الى مصاف اتخاذ القرارات المصيرية على مستوى الوطن في السلم والحرب؟ وهل يمكن حقاً لمن ينادي بهكذا شعارات ان يردف قائلاً انه يحافظ على التوازن المسيحي والوجود المسيحي وقيمة المسيحيين والوطن.


وأكثر من ذلك، فمن كان يمثل المسيحيين حقا عليه ان يحسب اصوات المسيحيين الذين انتخبوه، ومن كان يمثل المسلمين حقا عليه ان يحسب اصوات المسلمين الذين انتخبوه، أما اذا كان التمثيل ليس دقيقاً لان الانتخاب مختلط عندها يصبح القول ان من ينتخب بأكثرية ما هو تمثيل رأي هذه الأكثرية ويعبر عنها اكثر مما يعبر عن طائفته وديانته.
ان التعقيدات الحالية التي ترافق انتخاب رئيس للجمهورية تدل دلالة راسخة على ان كل النظام في لبنان يحتاج الى تعديل وتغيير وان انشاء مجلس الشيوخ ضرورة ماسة لوضع ضوابط للفلتان السياسي القائم حاليا في هذا البلد ولا تكمن اهميته من انه يزيد متراسا لطائفة بل لانه بصلاحيات مرتجاة يمكن ان يحدد مسار البوصلة الوطنية بحيث لا تفنى الطوائف ولا يقتل الوطن.


لبنان الشعب يعيش خوفا من ان يترك لمصيره لأن الرعيان فيه يتفاوتون في حمل العصا كما ان الوعي الوطني ليس كافيا بحيث ان الوصول الى المطار للرحيل اقرب من الوصول الى بيت الأهل.
المسيحيون مدعوون ان يعوا مواطنيتهم وكفاهم تشرذماً واختباء وراء هذا الزعيم أو ذاك، لقد دفعوا الكثير نتيجة اعتمادهم على افراد من الداخل او من الخارج وآن لهم ان يشكلوا نسيجاً متجانساً مع غيرهم وذلك من خلال احياء أو تأليف احزاب وطنية ذات اهداف وطنية ورؤيا وطنية وآلية عمل وطني.


ان تقوقعهم ضمن مناطق هي اشبه بالفيتو لن تحميهم من اي شيء أو اي احد بل انفتاحهم وبطبيعة الحال لن يكون هذا الانفتاح ممكناً اذا لم يقابلهم المواطنون المسلمون بالمثل. واذا كان بعض المسلمين اعتبروا ان تراصهم هو كفيل بقوتهم فهذا لن يدوم لان وحدة الطائفة قد يمكنها ان تمنع وطناً من التشكل بدونها لكنها لن تتمكن ان تشكل وطنا لوحدها والتشكل الوطني لا يمكن ان يكون على اساس طائفي ولا ان اتفاق الطوائف يصنع وطناً وقد برهن تاريخ لبنان الحديث على ذلك لكن في المقابل ايضا فان وحدة الزعماء كوحدة القبائل لا يصنع وطناً ايضا، الأوطان تتشكل بوحدة الشعب وارادة الشعب وهذه الوحدة والارادة تحتاج الى مصلحين ومفكرين، ان تراجع الانتلجنسيا الى الخطوط الخلفية واقتصارها على تحليلات سياسية ساذجة او السير في تمجيد بعض القادة من اجل الحصول على مكاسب رخيصة يفقدها الدور الريادي في عملية الوعي الوطني.


ان الطائف يحتاج لتنفيذه جمهرة من هذه الانتلجنسيا على مختلف الصعدان وبغياب هذه الانتلجنسيا راح الطائف يعزز قوة الطوائف وينميها وصار القائد سياسي اما ان يأخذ مكان القائد الديني كي يجمع الزعامتين وأما ان يحاول الغاءه. المطلوب ليس الانقلاب المطلوب وطن يقدم المواطنين وتهيئة مواطنين لوطن. عندها على الطوائف الا تتعاطى السياسة وعلى القادة ان يكونوا في خدمة الشعب وليس للشعب ان يبقى مشرذماً لخدمة القادة وطموحاتهم السياسية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل