


كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1717
رمزي وبيار … إنتو الحراس
بفارق عامين والقاتل واحد!!
في مفكرة المقاومة اللبنانية ثمة نوار من نوع آخر، فيه ما فيه من عبق الشهادة، وتفتّح الموت على الحياة مع المسيح، لأجل حماية سياج الوطن الغالي، وحين تسيل دماء لتروي ورود الكرامة وعبق العنفوان.
رمزي عيراني وبيار بولس. تاهت مني بعض الكلمات حين بدأت أكتب عنهما، عمن نحكي أولا؟ كيف سنجمع الشهادتين في مقال؟ أساسًا لماذا استشهدا في زمن أخبرونا يومذاك أنه زمن «السلم» المفترض، وإذ به زمن إغتيالات المناضلين الشرفاء؟! لن نكتب بقلم الإنكسار ولو قطف استشهادهما عمرهما وهو في نوّاره المدوِّي بالحياة. نكتب عنهما، كما عن الشهداء والمقاومين كافة، بحبر لا يعرفه إلا من غمّس العمر بالحب لتقطف أرض الرب ثماره، وحبرنا هو العنفوان المبلول بدمائهم.
إختفى رمزي ووُجد بعد أيام في صندوق سيارته. تأخر بيار في السهرة ووُجد بعد ساعات في صندوق سيارته. الفارق الزمني سنتان. والقاتل، واحد بوجوه متنوّعة. المهندس رمزي كان مسؤولاً عن دائرة الجامعة اللبنانية في مصلحة الطلاب، وبيار شغل لفترة رئيسًا لمصلحة الطلاب. بيار ورمزي كانا ينتظران خروج الحكيم من الإعتقال للإحتفال معه والرفاق بعودة الحرية، فاستشهدا قبل الإحتفاء بالحياة كما يجب، وقبل الإحتفال بجلاء الإحتلال السوري عن لبنان.
كان يعرف رمزي أنه مراقب، ولم يصمت. كان يرى سيارات مشبوهة تلاحقه في كل تحركاته، وكانوا يتعمَّدون أن يكونوا مكشوفين، كمن يريد توجيه رسالة فاضحة مفادها إما أن تصمت أو أن تموت. ولم يسكت. إستدعوه أكثر من مرة على فنجان «قهوة» مر من طعم الذل والإرتهان للإحتلال السوري، واستجوبه مرات ومرات عملاء نظام مجرم الشام، مع ذلك لم يوقف نشاطه الحزبي يومًا، بل على العكس، أرأد أن يوصل الرسالة بأن الشجاعة إيمان، وأن الإيمان فعل صلاة، والمقاومة لأجل حرية لبنان هي بيت من بيوت المسبحة يتلوها المناضلون بيتاً بعد بيت ولا يخشون إلّا من حكم الرب.
كان مهندسًا وسيمًا شجاعًا حرًا، هندس كرامته قبل بيته، وهندس أيضًا استشهاده وربّما في قرارة نفسه كان يعلم أن طريق الشرفاء في زمن الإحتلال والصغار لن تكون محفوفة إلّا بدمائه. طاردوه حتى مركز عمله في منطقة الحمرا، وهناك تعرفون الحكاية التي رواها الزمن على مدار السنين. كان ذاك السابع من أيار عام 2002، حيث كان من المفترض أن يعود رمزي الى منزله للإحتفال بعيد ميلاد طفلته ياسمينا، وكانت زوجته جيسي وابنه جاد في انتظاره. إتصلت به جيسي لتذكّره بأن يمرّ الى أوتيل فينيسيا لاصطحاب أختها، فأجابها، الرابعة والنصف تمامًا أعادت الإتصال، أُقفل خط رمزي مذ تلك الساعة ولا يزال حتى اللحظة. أربعة عشر يومًا من الإنتظار، تحقيقات كاذبة، وشهادات كاذبة، وأزلام النظام الأمني السوري ـ اللبناني روّجوا شائعات من هناك وهنالك، وبثوا معلومات خاطئة لإبعاد شبهة القتل عنهم، الى أن كان 21 نوار المشؤوم ذاك، حين أبلغت سيدة تسكن بالقرب من فندق «سي روك» في منطقة الحمرا، الأجهزة الأمنية بأن ثمة رائحة جد كريهة تنبعث من سيارة بولو سوداء تركن قرب الفندق المذكور. كشفت القوى الأمنية على السيارة فوجدت جثة متحللة في الصندوق. الطبيب الشرعي قال يومذاك إن الوفاة حصلت قبل أربعة أيام من ظهور الجثة، أي أنهم اغتالوا رمزي بعد مرور عشرة أيام على اختطافه. خرج من بيته مهندسًا مناضلاً في القوات اللبنانية، شجاعًا لا يهاب إعلان الحب على بلاده، وإعلان انتمائه للأرض وللقوات اللبنانية، وعاد مكلّلاً بعبق نوار، فكان، كما رفاق كثر سبقوه، شهيدًا لأجل لبنان. أخرجوه من صندوقهم الذي تفوح منه روائحهم الكريهة المبلّلة بعار العمالة والإنحناء لحذاء الإحتلال، ليحمله الرفاق في الصندوق الأبيض المكلّل بغار الشهادة وصليب العنفوان والعز.
يومذاك كان عمر ياسمينا خمسة أعوام. الطفلة صارت صبية حلوة حلوة، تحمل وجه أبيها وقلبه وعنفوانه، صبية لا تتردَّد بقول الحقيقة كما هي، كما تعلّمت بالفطرة من والدها، وكما علّمتها جيسي أن تمشي على خطى بطل من أبطال المقاومة اللبنانية. «رمزي ضحّى كرمال بلدو وتحدى كل العالم. بتفاجأ أوقات عن حكايات عنو بيخبروني ياها الناس ومن كل الطوائف كانوا يعرفوه، كيف بيحكوا عنو هيك بإعجاب وبعنفوان، كان البابا مثال للشجاعة بالنسبة إلن» تقول. وهل تذكر ياسمينا كل التفاصيل عن رمزي؟ «بتذكروا شوي بس ع قد ما بيحكولي عنو وخصوصا إمي، بحس إني بعرفوا كتير منيح، وبيقولوا عني إني بحب لبنان متل ما كان رمزي يحبو. أنا متلو بدّي عيش بلبنان وما بدّي فل من هون لو شو ما صار، عم كفي علمي برّا بس بدي إرجع واشتغل ببلدي. كنت زغيرة وما كنت إفهم شو يعني حدن يموت كرمال بلدو، هلأ صرت أعرف إنو لبنان بيستحق التضحية وبيستحق ندافع عنو حتى الإستشهاد حتى يبقى أحلا الأوطان».
وهل أثمرت شهادة رمزي وطن الحلم ذاك؟ تجيب: «للإسف صحيح إنو شهادة رمزي ما أثمرت بعد الوطن اللي كان يحلم فيه، بس واجبنا نكفي للآخر ونتحدّى كل الصعاب. رمزي استشهد وضاعت معو العدالة اللي بعدها مخباية وما حدن بيتجرأ الإعلان عنها، وهالعدالة أساسًا ما رح ترد رمزي وإن كانت بترد الحق بمعاقبة المجرمين اللي قتلوه، لكن نحنا ما وقفنا هون، ورح نكفي على طريق رمزي بحياتنا».
هل ضاعت قضية رمزي كما سواها في أدراج اللاعدالة في لبنان؟ «ما راحت القضية مع الزمن، لكن من يوم استشهادو تعلمت إنو كفي مع شوية أمل على رغم كل تجاهل السلطة السياسية لكل هالشهدا، هم أساسًا لا يهتمون بالناس الأحياء رح يهتموا بعد بالشهدا؟» يقول جاد رمزي عيراني الذي كان بعمر الثلاث سنوات حين استشهد والده. الطفل أيضًا صار شابًا شجاعًا يحمل كل قيم والده، وشجاعة والدته التي علّمته أن الحياة للشجعان الأنقياء، وأن رسالة الأب الشهيد لا تقف عند حدود غياب الجسد بل هي إستمرارية في روح الأبناء، «ما عندي ثقة بهالدولة لكن عندي ثقة بأرضي، العدالة رح تتحقق أكيد وبالنهاية المجرم رح ينال عقابو المستحق ونحنا مكملين على خطى رمزي»؟ يضيف جاد: «أنا عايش بقصص رمزي من الناس ومن أصحابو والأهم من إمي، صورتو بترافقني بكل القرارات التي أتخذها في حياتي، ومنه أخذت صفة القوة والصلابة. ربّتني أمي على القيم التي عاشها رمزي». وختم: «كنت بتمنّى يكون بعدو عايش لأن كان ليصنع فارقاً كبيرًا في كل شيء. ضيعان هالوطن وبسأل حالي كرمال مين استشهد بيي خصوصا إنو العدالة بهالموضوع لن تصل الى أي مكان لأن البلد فوضى ومش هيدا اللبنان اللي استشهد كرمالو رمزي، لكن لا بد ما يزهّر هالإستشهاد في مكان ما، ونحنا تعلّمنا إنو اليأس ممنوع والتراجع ممنوع، هيك كان يقول رمزي، وهيك علّمتنا إمي وهيك تعلّمنا من قصة حياة بيي».
وهيك ترك رمزي عيراني زوجة مناضلة شجاعة وترك ياسمينا وجاد وكل ألق الحياة لهما…
بيار وصلت نتائج الدراسات العليا…
الشهيد بيار بولس لم يلحق أن يؤسس عائلته الصغيرة التي كان ينوي أن يؤسسها. قبل استشهاده كان يخطط للزواج من حب عمره، وقبل استشهاده كان ينتظر بفارغ الصبر نتائج إمتحانات الدراسات العليا في إدارة الأعمال التي كان يحضّر لها في جامعة القديس يوسف، بالإشتراك مع جامعة السوربون. وبعد استشهاده بنحو الشهر وصلت النتائج، نجح بيار في الإمتحانات لكن بيار كان صار هناك في الأفق الآخر يحتفل مع رفاقه الشهداء بعرس التضحية لأجل لبنان. كان يحب أن يكون شهيدًا، لكن على جبهات الشرف لأجل الأرض، وليس في صندوق سيارة إسترضاء لغريزة القتلة في النظام الأمني اللبناني ـ السوري ما غيره الذي كان قتل رمزي قبل عامين.
كان بيار ناشطاً في صفوف المقاومين في حزب القوات اللبنانية وشغل منصب رئيس مصلحة الطلاب، طيب حنون، مقدام، هكذا يصفه الرفاق. كان يجب أن يرسلوا له الرسائل المتتالية علّه ينتبه على خطواته ويستكين في الخوف والتردد، لاحقوه أيضًا، شعر بهم، ذهب الى البطرك صفير وشكا له، فوعده البطريرك بإبلاغ الأجهزة الأمنية، لكن حاميها حراميها وقاتلها. تلك الأجهزة إياها هي من تلاحق وتستدعي وتراقب وتقتل.
بدأ الشهر المريمي وذهب بيار، وحيد أهله وله أختان، للصلاة، تأخر في العودة، إتصلت والدته بأصدقائه، فأخبروها أنه توجه الى البيت منذ نحو الساعة، نظرت والدته الى موقف السيارات فوجدت سيارته مركونة في مكانها المعتاد، هرعت ووالده بقلب مجنون بالخوف، السيارة فارغة، فتحت الصندوق لتجده مضرجا بدمائه الساخنة. ضربه الوحوش على رأسه وتركوه في الصندوق ملفوفاً بحقدهم وحقارتهم وعمالتهم للإحتلال السوري. قالوا إن عامل الموقف السوري قتله بسبب السرقة، وكان كل ما قالوه كذبًا بكذب. والمفارقة أنه كان قبل أيام طلب من صاحب الموقف ألا يطرد ذاك العامل «حرام بدو يعيش»، وإذ بأيادي العامل إياه ورفيقه السوري تمتد لتصفية المناضل وليهربوا الى سوريا، وليرفض عدنان عضوم إستدعاءهم كما تنص الإتفاقيات القانونية بين لبنان وسوريا. دخلت عيون بيار في ضياء الشهداء لأجل الرب والأرض.
«عرفنا مين نفذ الجريمة وكل خلفياتها السياسية الواضحة، حاول الجهاز الأمني الإيحاء إنو الهدف السرقة، وتبيّن لاحقا إنو غير صحيح على الإطلاق، ومن نفذ الجريمة كان مرتاحًا تمامًا على وضعه، باعصاب جد باردة ضربه الوحوش بالحديد على رأسه وتركوا دماءه الندية تسبح في صندوق السيارة، الى حين اكتشفت والدته هول المصيبة»، يقول صديقه المناضل جان أبي حيدر، الذي كان وبيار يترافقان في كل الخطوات النضالية زمن الإحتلال السوري.
كيف لأهل أن يتعايشوا مع مشهد مماثل؟ كيف لأهل أن يحملوا صليبًا مماثلاً؟ كيف عاشوا؟ كيف استمروا؟ «كانت إمو لـ بيار كل يوم تروح على قبرو وتزرعلوا الورد، أما والده، وبعد دفن بيار في الثرى، فدخل غرفته ولم يتكلم ولم يخرج منها إلّا بعد ستة أعوام لكن الى القبر» يقول جان. أبو بيار دخل في الصمت المهيب ورفض التكلم إلّا مع صورة إبنه الى أن التقاه. أما الأم التي ما زالت على قيد الحياة، فتعيش مرارتها على مدار الساعات، تسأل المسيح «ليش أخدت مني بيار؟ هالأرض بحاجة إلو أكتر مني؟»، هي تعرف أن ابنها صار ملح الأرض، وأن هذه السلطة تبتلع المناضلين الشرفاء، تغرقهم بالنسيان، لكن ثمة من ينتزعهم دائمًا من عمق عمق النسيان ليذكّرنا بأنهم هم الحب والوفاء وسماد الأرض وربيعها. «كان كتير ناشط. ترافقنا ع الجبل بزيارة البطرك الشهيرة، ومن بعدها طلبوه على التحقيق، لوحقنا معاً وأوقفنا معا لأيام أيضا في وزارة الدفاع، وأحالونا ع المحكمة العسكرية، وبقي صلب لا يهاب ولا يخاف من أحد ولا من محاولة ترهيبه» يقول صديقه. هل ضاعت قضية بيار كما رمزي في زواريب اللاعدالة اللبنانية؟ «المفارقة أننا نعرف أسماء القتلة، هم في سوريا، ولفترة من الزمن كان استلم الملف إدمون رزق إبن منطقته، وكانت فيه كل تفاصيل الإدانة، لكن أزلام الإحتلال السوري أهملوا الملف بطبيعة الحال وما حدن رد علينا» يقول جان.
خرج الوطن من الإحتلال السوري البغيض ليدخل في احتلال أبشع وأقسى، ميليشيا إيران وسلطة فاسدة داعمة، فأين أصبحت شهادة الشب المناضل؟ «شهادة بيار ما راحت ضيعان. يوم دفنه كانت أول إنطلاقة علنية للقوات اللبنانية، خرقنا منظومة الخوف والحصار، تحدينا القوى الأمنية وكان بدنا نبعت رسالة، متل وقت استشهاد رمزي، إنو شو ما عملتو يا جبناء سنستمر. شهادة بيار علمتنا إنو الشجاعة متل الصلا إيمان من وحي شهادة المسيح».
ذات يوم سألته والدته: «ليش ما بتحلق دقنك يا بيار؟» «بدي أنطر الحكيم يطلع من الحبس وبحلقها إحتفالا بالنصر»… وذهب وما زالت ذقنه المهروقة على وجهه الجميل الحلو الطيب في انتظار الحرية لأجل لبنان…
رمزي وبيار، لن ننسى، ونعلن عليكما القسم بأن شهداءنا لن يموتوا يومًا، وهم ليسوا أسماء محفورة على بلاطة قبر، بل أحياء في الإيمان والنضال الى حين استرجاع لبنان من إحتلالاته المتعاقبة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
