#dfp #adsense

طريق دمشق لا تمر في نهر الكلب

حجم الخط

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1717

شريط الأحداث أصبح معروفا: رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع يدعو يوم الأربعاء في 19 أيار رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال إلى «إعطاء التعليمات اللازمة لوزارتي الداخلية والدفاع والإدارات المعنية من أجل الحصول على لوائح كاملة بأسماء من سيقترعون لبشار الأسد غدًا (الخميس 20 أيار)، والطلب منهم مغادرة لبنان فورًا والإلتحاق بالمناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد في سوريا طالما أنهم سيقترعون لهذا النظام ولا يشكل خطرًا عليهم».

الخميس 20 أيار يجتاز مئات النازحين المؤيدين للأسد الأوتوستراد الساحلي متوجهين إلى السفارة السورية في الحازمية بشكل إستفزازي رافعين الأعلام والصور ومكبّرات الصوت والهتافات والإعتداء على المارة، فهبّ الأهالي بشكل عفوي ردًا على هذه الإستفزازات التي أعادت إحياء مشاهد مماثلة عشية الحرب، ويلقنونهم درسًا لم يكن في حساب المنظمين الذين أرادوا الردّ على الدكتور جعجع بترهيب المواطنين الآمنين في رسالة للناس في هذه المنطقة ومن خلالها إلى كل المناطق بان خيارات «القوات» السياسية ليست في مصلحتهم، ولكن ردّ فعل الناس جاء مؤيدًا لـ»القوات» ومسقطاً حواجز الخوف والترهيب.

الإستباحة الميدانية تمّت تغطيتها بوابل من المواقف السياسية لشخصيات وقوى 8 آذار التي نفضت الغبار عن نفسها وأعادت تجميع صفوفها مهددة ومتوعدة «القوات اللبنانية» التي فضحت مخطط النظام السوري الرامي إلى خلق أمر واقع على الأرض يستكمل الترويج باستعادة وصايته على لبنان، والأهم في موقف رئيس «القوات» أنه أربك القسم الأكبر من النازحين خوفاً من إسقاط صفة اللجوء عنهم، ما اضطُر النظام السوري إلى إرسال المئات من سوريا تحت مسمّى النازحين.

وقد جاء موقف جعجع ليصوِّب الإنطباع الذي كان سائدًا بأن النازح هو مواطن عادي له حقوق سياسية، فأثبت بأن حقوق النازح هي إنسانية فقط لا سياسية، وأنه في اللحظة التي يُسقط فيها النازح حاجز الخوف من النظام الذي كان سببًا بتهجيره، عليه العودة فورًا إلى بلاده ومناطق نفوذ النظام الذي هجّره، وذلك وفق التعريف الحرفي للاجئ في القانون الدولي.

يوم الأحد 23 أيار توزّع الحدث بين بكركي وشارع الحمراء، ففي الأولى شكلت عظة البطريرك بشارة الراعي غطاءً لانتفاضة الأهالي دفاعًا عن كرامتهم وأمنهم وسلامة مناطقهم، وتقاطع شكل ومضمون العظة مع مواقف معراب السياسية بقوله إنه «بات من الواجب على النازحين اليوم أن يعودوا إلى بلادهم بعد أن انحسرت الحرب وتوسّعت المناطق الآمنة وصاروا مواطنين سوريّين عاديّين لا نازحين»، وأبدى أسفه «للإشتباك الذي حصل على أوتوستراد نهر الكلب وسببه الإستفزاز لمشاعر اللبنانيّين في منطقة تعجّ بشهداء سقطوا في المعارك مع الجيش السوري، وفيما لا يزال ملفّ المعتقلين في السجون السوريّة مجهولًا».

وفي شارع الحمراء نظّم أحد أجنحة الحزب «السوري القومي الاجتماعي» عرضًا ميليشيويًا فاخر خلاله باغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل وحرّض على اغتيال الدكتور جعجع (طار راسك يا بشير وجايي دورك يا سمير)، ولم يكن هذا العرض عفويًا ولا وليد لحظته، إنما تمّ عن سابق تصوّر وتصميم وبطلب من النظام السوري مباشرة الذي أرسل عشرات الشباب للغاية بسبب عدم قدرة هذا الحزب على توفير الحاجة المطلوبة، والهدف من العرض والتهديد والردّ على «القوات اللبنانية» بسبب إجهاضها المخطط الفتنوي بالتصويت للأسد، ولأن الدعوة لتطبيق القانون الدولي بعودة النازحين السوريين إلى بلدهم بعد سقوط حاجز خوفهم واقتراعهم لمن هجّرهم أصابتهم مقتلاً.

وعلى أثر العرض الفتنوي الذي أساء لبيروت وصورة لبنان تعالت الأصوات المطالبة بحلّ الحزب «السوري القومي الاجتماعي» وملاحقة وتوقيف كل من نظّم وشارك وخطط وهتف، لأنه يشكل إستهدافاً مرفوضًا للدولة ودورها وحضورها وهيبتها، ودعوة صريحة لإعادة عقارب الساعة إلى زمن القتل والتقاتل.

وما تقدّم يندرج في سياق الوقائع التي توالت بين يومي الأربعاء 19 أيار والأحد 23 منه، ولكن ما هو أبعد من الوقائع يندرج في الآتي:

أولاً، ظنّ النظام السوري أن بإمكانه أن يستعرض قوته ويتحدى إرادة الناس التي قاومته في الحرب وتصدّت له في السلم وطردته في العام 2005، ظنّ أن بإمكانه تخويفهم وترهيبهم بأن عودته إلى لبنان عسكريًا محتملة، وأن عبور جنوده في المناطق التي قاومته تاريخيًا تحت عنوان الانتخابات ما هو سوى بروفا لعودته القريبة إلى لبنان، ولكن الناس المعروف عنهم في هذه المناطق بأنهم الأكثر إلتزاما بالقوانين المرعية وتمسكاً بمشروع الدولة وحرصًا على السلم الأهلي، لم يتقبّلوا عفويًا المظاهر الإستفزازية المتعمّدة التي جابت هذه المناطق ضمن مخطط واضح المعالم يتراوح بين أن هناك من يريد أن «يستوطي حيطهم» إنتقامًا وتشفيا، وبين توجيه رسالة لهم تحت عنوان: عائدون إلى لبنان، فردّوا الرسالة بمثلها: طريق دمشق لا تمر في نهر الكلب.

ثانيًا، البيئة الحاضنة لتاريخ المقاومة والشهداء والنضال والتضحيات والخط السيادي انتفضت عفويًا وتلقائيًا ضد من حاول أن يتحداها في عقر دارها رافعًا شعاراته وصوره وهتافاته وأناشيده وتعدياته بالجملة على الطرقات التي عبرتها مواكبه، وما حصل هو رسالة من هذه البيئة المسالمة أنها تحترم كل من يحترم القوانين والأصول وحرمة مناطقها، وأنها بالمرصاد لكل من يعتقد أن باستطاعته ترهيبها وتخويفها وتركيعها.

ثالثاً، أظهرت هذه البيئة أنها لا تخشى الترهيب والوعيد والتهديد، وأن نبضها قوي جدًا وتستمده من تاريخ مقاوم وشهداء بالآلاف وتضحيات لم تتوقّف ونضال متواصل وإيمان متجذِّر بهذه الأرض وصلابة لا تكسر، ومن يريد أن يدقّ الباب سيسمع الجواب حكمًا، ويخطئ من يراهن على تخويفها بتطورات إقليمية أو مسيرات أسدية، ولن تتعامل معه سوى على قاعدة أن «الرطل بدو رطل ونص».

رابعًا، من خلاصات يومي خميس الإستباحة وأحد التباهي بالإرهاب أن البيئة المسيحية إستعادت عافيتها من التخدير العوني وخطفها إلى خيارات لا تشبهها وبعيدة كل البعد عن تاريخها ودورها ونضالها ومقاومتها، فردة الفعل العفوية التي لها علاقة بالحس الوطني والإنتماء اللبناني والعنفوان النضالي والحرص على تاريخ وهوية وذكرى ودور هي جزء مهمّ من الصورة، ولكن لا ينبغي إطلاقا إهمال الشق الآخر من الصورة بأن ردة فعل الناس العفوية ضد الشبيحة كانت محتضنة من اللبنانيين عمومًا والمسيحيين خصوصًا، وذلك في إجماع ما بعده إجماع، وجاءت عظة البطريرك لتجسِّد هذا الإجماع.

خامسًا، في سياق الخلاصات أيضًا أن ما يسمى بالخيار شرقاً لم يعد يستهوي البيئة اللبنانية واستطرادًا المسيحية، وأن من حاول أخذ المسيحيين بغفلة من الزمن إلى خيارات لا تشبههم إصطدم بواقع وحقيقة: الواقع هو أن البيئة المسيحية اجتازت الصحراء وعبرتها واكتشفت من كيسها وعرقها وتعبها ونضالها من حاول بلفها وغشها وتخديرها على حقيقته بأنه مزوِّر ومضلِّل وأساء كثيرًا لهذه البيئة وخياراتها وتوجهاتها وقناعاتها وآمالها.

والحقيقة هي أنه «تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت»، وهذا ما حصل حقيقة أن الفريق السياسي الذي خرج عن ثوابت المسيحيين التاريخية نجح بأن يخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكن المؤسف حقاً أن هذا الوقت قد طال، إلا أنه في نهاية المطاف «ما بصحّ إلا الصحيح».

سادسًا، سعى بعض الأحزاب القومية والتيارات العروبية القديمة والأفكار الشيوعية إلى خلخلة الركائز الفكرية للبيئة المسيحية في لبنان ودورها المتجذِّر في هذه الأرض ورسالتها التعايشية، ولكنها لم تفلح يومًا، وحصلت محاولة في زمن الحرب بنقل خيارات المسيحيين اللبنانية من الخيار السيادي إلى الملحق بالنظام السوري، إلا أنها سقطت أيضًا، وحده خيار العماد ميشال عون نجح في جرّ جزء من البيئة المسيحية باتجاه خيار لا علاقة له بالثوابت المؤسسة للدور المسيحي في لبنان، وهذا النجاح سببه تعب بعض المسيحيين من الصراع المفتوح وتغييب الدولة المتواصل، ولكن هذا البعض عاد واكتشف أن رهانه على خيار لا علاقة له بتكوينه أساء إلى هذه الجماعة ودورها ورسالتها، وأن استسهال خيارات معينة بسبب التعب والملل ليس فقط لا يؤدي إلى نتيجة، إنما يسيء كثيرًا إلى الخيار الأساسي بتأخير تحقيق أهدافه وتشويه صورته وإضعافه، فأعاد أدراجه وتقييم تجربته وصولاً إلى اصطفافه مجددًا ضمن قناعاته التاريخية الراسخة في وجدان الجماعة التي ينتمي إليها.

سابعًا، إن ردة الفعل المسيحية العفوية على ما حصل بين يومي خميس الإستباحة وأحد التباهي بالإرهاب تؤكد المؤكد بأن البيئة المسيحية استعادت نبضها وعنفوانها والأهم وعيها السياسي وخياراتها الواضحة مع نهائية الكيان وسيادته، حرية شعبه وجماعاته وعيشها تحت سقف الدولة والتوازن والشراكة، دور الدولة الداخلي المستظل للدستور والقوانين بعيدًا عن المحسوبيات والفساد، ودور الدولة الخارجي المحايد الذي هو ملازم لنشوء هذا البلد ومن دونه لا إستقرار ولا ازدهار.

ثامنًا، نفض المسيحيون عنهم غبار انحراف البعض عن الخط اللبناني التاريخي، وأهمية عودة المسيحيين، معظم المسيحيين، إلى خياراتهم التاريخية التي تصبّ في المصلحة اللبنانية العليا، لأنه ولاعتبارات عدة لن ندخل في تفصيلها اليوم لم يتمكن من أراد ضرب المشروع اللبناني من ضربه سوى عندما ضرب الجماعة المسيحية اللبنانية وأضعفها، حيث أدرك أن المعبر لإضعاف لبنان يتحقق عن طريق إضعاف المسيحيين، وفي اللحظة التي يستعيد فيها المسيحيون قوتهم يستعيد لبنان قوته، فقوتهم من قوة لبنان، وقوة لبنان من قوة المسيحيين، والعكس صحيح أيضًا، وقد ساهموا في صناعة بلد لهم ولغيرهم بالشراكة والتكافل والتضامن: واحة من الحرية، ورسالة تعددية وعيش آمن ومستقر، ووطن منفتح على كل العالم باقتصاده وثقافته وقطاعاته الحيوية.

إنها صخور نهر الكلب مجددًا الشاهدة على احتلالات زالت من الوجود من أجل العبرة فقط بأن لا إحتلال يدوم مهما طال الزمن وقسا، ويبقى لبنان حرًا سيدًا مستقلاً، ويبقى الشعب اللبناني مرفوع الرأس والجبين، وكما تحطمّت إحتلالات على مر الزمن والعصور ستتحطّم كل محاولات بلع لبنان وتهديد شعبه، فطريق دمشق وطريق أي دولة أخرى لا تمر في نهر الكلب ولا في أي منطقة أخرى، ولبنان دولة عبور نحو السلام والحرية والآمان، وليس لعبور المخدرات وتصدير السلاح والإرهاب، وكل من أراده ويريده غير ذلك سيُضاف إسمه في يوم من الأيام على هذه الصخور لتبقى شاهدة وعبرة للأجيال.

 

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل