وسط الغليان الذي تشهده سوريا وتطوراتها المتلاحقة
المشاورات لتأليف الحكومة اكتسبت دفعاً
على وقع اصوات الدبابات السورية التي اقتحمت درعا، عاد الحديث لبنانيا عن زخم مفاجئ لتشكيل الحكومة بعد ثلاثة اشهر من ازمة تأليف غير مبررة.
ولئن كانت المماحكات في توزيع الحقائب حاولت اخفاء العناصر الاقليمية التي كانت تدفع في اتجاه التأخير، فان ما جرى في سوريا في اعقاب يوم "الجمعة العظيمة"، اعاد تفعيل المشاورات اللبنانية لانجاز سريع للحكومة. وتؤكد مصادر مواكبة ان المشاورات لم تكن يوما على نار قوية كما هي اليوم، باعتبار ان الحكومة التي ستولد، وهي حكومة اللون الواحد، ستكون تتمة للقرار العسكري والامني الذي اتخذته دمشق لقمع الاحتجاجات الشعبية والمطالبة باسقاط النظام السوري، في اطار مشروع المواجهة الذي تقوده دمشق وطهران.
وترصد قوى سياسية تطور الاحداث الاقليمية وانعكاسها على لبنان في الايام الاخيرة، والتي كانت مؤشرا حقيقيا للتباين الحاد بين السعودية وواشنطن وتحديدا منذ 14 آذار الماضي مع دخول قوات درع الجزيرة الى البحرين.
بدأ الخلاف بين القيادتين الاميركية والسعودية على كثير من ملفات المنطقة، لحظة اشتعال الثورات من تونس الى مصر وتمددها تباعا. واذا كانت السعودية رفضت معاملة الرئيس حسني مبارك بالطريقة التي تتم فيها معاملته حاليا، فانها تنظر الى التردد الاميركي حيال سوريا بكثير من الريبة، ولا سيما ان ثمة بونا شاسعا بين اداء مبارك في الحكم واداء الرئيس السوري بشار الأسد.
لكن الرياض لم تبد مقتنعة بالوعود الاميركية، التي تقول انها لا تزال تسمعها منذ عامين في الملف الايراني، وهي راقبت عن كثب التردد الاميركي في هذا الملف، وانعكاسه على دول الخليج، الامر الذي سمح لطهران بمد نفوذها من الخليج الى المتوسط.
تقدمت السعودية منفردة في البحرين، فتمكنت من تثبيت وضع النظام البحريني، وتطويق المضاعفات الخليجية للاحداث فيها. ودفعت كذلك في اطار دول مجلس التعاون الخليجي الى حل لليمن، بدأت معالمه تتأكد يوما بعد يوم، وتنحو في اتجاه ترجمته عمليا.
جاءت احداث سوريا لتضيف عنوانا جديدا الى ملفات الخلاف الاميركي – السعودي. فالسعودية تصف الموقف الاميركي بانه نوع من التآمر الصامت لحماية النظام السوري. وتعبّر صحف سعودية وخليجية وحتى اردنية بقوة عن المنحى الذي تتخذه الدول المؤيدة للسعودية، من خلال وصفها بتعابير قاسية كيفية مواجهة الامن السوري لسكان درعا اخيرا.
وقد بدا واضحا خلال الساعات الاخيرة التباين بين واشنطن من جهة واوروبا ودول الخليج من جهة اخرى في مقاربة احداث سوريا بعدما حسم الاسد خياره بقمع الاحتجاجات بواسطة الجيش. ومعلوم ان منتديات الحوار الاعلامية البريطانية والفرنسية ومراكز الابحاث الموثوق بها، بدأت تركز بقوة، من خلال شبكات التلفزة الاخبارية الغربية ومنها الناطقة بالعربية، على انتقاد الادارة الاميركية لترددها حيال الاسد.
ن، تبدل حين اندلعت الثورة على ارض الشام نفسها. ومع تطور الاحداث كان قرار دمشق التريث لجس نبض الادارات الغربية والعربية المعنية والتركية في تعاملها مع النظام السوري. لكن التطور الدراماتيكي في ظل الحرب الاعلامية وتدفق الرسائل الالكترونية والمواقع المعارضة السورية التي تبث مشاهد واخبارا يومية وتستعيد احداث حماه في الثمانينات، دفعت دمشق الى وضع استراتيجة جديدة لحماية نفسها.
وفي حين تؤكد قوى 14 آذار يوميا تضامنها مع الخط السعودي في مواجهة الاحداث الاقليمية، على ما قال الرئيس سعد الحريري خلال ازمة البحرين، ومواجهة الاتهامات السورية لـ"المستقبل"، يبقى السؤال عن طريقة تعامل طرفين اساسيين، مع التعجيل في خطوات التأليف. فما هو موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان في حكومة من هذا النوع، وخصوصا في ظل اصراره على ان تكون حقيبتا الدفاع والداخلية من حصته، مع ما تعنيه هاتان الوزارتان الامنيتان، في خط المواجهة؟ وهل يتمكن ميقاتي من مواجهة الضغوط الاميركية والسعودية معا، فيما تغلي سوريا على وقع الاحداث المتطورة، ويقود حكومة لون واحد في وسط عاصفة اقليمية وسورية لا يُعرف مصيرها؟
فتشكيل الحكومة ما قبل احداث سوريا، هو حكما غيره ما بعدها.