لم تعد بلاغة المتشاطرين كافية لتسويغ ازمة من نوع طارئ استثنائي وقعت في حبائلها عملية تأليف الحكومة بكل اطرافها الى درجة بات معها التلطي وراء العقد الداخلية اشبه بالقناع الممزق الذي يفضح ولا يستر. لا بل يصح التساؤل عما اذا كانت قوى "التحالف" الحكومي لا تزال بعد كل ما شهدته الاشهر الثلاثة الاولى من الأزمة قادرة على الاستمرار في اطار اكثري لم يتوافر الا بدفع يتيم حصري هو تقاطع المصالح والضغوط على اسقاط الحكومة الحريرية فقط.
تبدو الازمة الداخلية حاليا كأنها تجاوزت عملية تأليف حكومة تعترضها عقد كلاسيكية او محدثة الى عملية من نوع آخر هي "ادارة" حسابات طارئة لحلفاء سوريا ربطت ربطا محكما بالمؤشر الملتهب تصاعديا للتطورات السورية. بطبيعة الحال كل لبنان معني اكثر من أي بلد آخر بالحدث السوري. لكن في صلب الازمة الحكومية يبدو اطراف الائتلاف الاكثري في عين الاختبار والاستحقاق غير المسبوقين. لم تعد القضية مسألة محاصصة تقليدية او حتى اعراف جديدة يراد لها نفخ احجام على حساب معارضة خارجة من السلطة. ثمة حسابات مختلفة لكل قوى الاكثرية على مشارف مجهول – معلوم التحقت به سوريا ونظامها ولو ان الحدث لا يزال عند البدايات المتفجرة. وليس من الضرورة ان تكون هذه الحسابات متكئة على السوابق التي حصلت في بلدان عربية اخرى. فاقتحام درعا مثلا مستعيداً "ميني حماه" قد يكون اوحى لاطراف في الاكثرية بوجوب التمهل والتريث اكثر فاكثر لان تشكيل حكومة على نار حسم عسكري موعود للثورة السورية سيختلف اختلافا جذريا عن حكومة تمليها حالة ميوعة بين النظام ومعارضيه. وكذلك الامر في حال ارتدت عملية درعا على النظام واسقطت من يده بقايا تفضيل دولي لبقائه وحولت المجتمع الدولي من حالة المهادنة الضمنية معه الى حالة ضاغطة عليه بقوة. في هذه الحال سيطول الاستنزاف الى حدود يستحيل التكهن بها وستكون الاكثرية امام الاسوأ اطلاقا، أي امام اللاخيار تماما في ضؤ التقديرات "المفزعة" التي يرسمها مؤشر صاعد وهابط بعنف تبعا للتطورات الدامية في سوريا.
ولعل المفارقة التي يجب الا تغيب عن افرقاء الاكثرية هي انها تغامر بخطورة شديدة بفقدان فرصتها النادرة لتأليف الحكومة مع كل يوم تأخير. بل انه حتى ضمن معايير الصراع الداخلي يبقى تأليف الحكومة افضل انواع التحصين الداخلي اللهم اذا ارادت الاكثرية ان تثبت قدرتها على ان تكون سلطة مسؤولة وان يكف فريق منها عن هوايته المرضية في التنمر على سائر الآخرين. اما ذروة الخطورة فهي في ان تكون هناك "احلام" حسم من وحي درعا وبذريعة اتهام الخصوم بالرهان على سقوط النظام السوري. عندذاك يبدأ استدراج لبنان الى ما يفوق الفوضى خطورة.