يوم 26 نيسان عام 1996، جرى بشتورا توقيع اتفاق تفاهم نيسان، الذي شرعَنَ المقاومة أمام المجتمع الدولي، وحمى المدنيين من شرور القصف الإسرائيلي، وأعاد السيادة اللبنانية إلى سابق عهدها في الستينيات، لأن رفيق الحريري رئيس الحكومة اللبنانية، هو الذي فاوض على الاتفاق، وهو الذي وقعه إلى جانب مسؤولين لبنانيين آخرين، وهو أمر ما كان قد حصل من السبعينيات من القرن الماضي·
إن المقصود هنا ليس التمدّح بذلك اليوم، أو ببراعة المُفاوض اللبناني، أو باستعادة تقاليد السيادة، بل المقصود الدرس والاعتبار بتلك الذكرى والممارسة، في ضوء ما تشهده الساحة اللبنانية اليوم، وما شهدته خلال السنوات الماضية· فأوّل وجوه الاعتبار أن الرئيس الحريري حقّق إجماعاً على المقاومة، ولذلك استطاع مفاوضة الأميركيين بقوة، ودفع الأميركيين للضغط على الإسرائيليين للقبول بشروط هذا الإجماع السياسي والشعبي اللبناني· والعبرةُ من وراء ذلك أن إجماع اللبنانيين يستطيع أن يفرض نفسه وشروطه على كل الخارج سواء أكان إقليمياً أم دولياً· ولذا ووسط هذا الانقسام المتفاقم المضر بالمصالح الوطنية العليا، ويعرّض الوطن للأخطار، فإن العمل السياسي الجدّي بل الضروري الآن، هو ذاك الذي يهدف إلى تحقيق تضامن من نوع ما في المسائل المتعلقة بمعيشة المواطنين، وبوحدة المجتمع والدولة· لقد توحدنا في مواجهة العدو عام 1996، فصار ممكناً وقتها أن يعترف لنا العالم بالحق في مقاومة ذاك العدو وإخراجه من أرضنا· ويكون علينا الآن أن نتوحّد للحفاظ على الوطن والدولة من الاضطراب الناجم عن ثورات الشباب في العالم العربي، والناجم عن الخلافات بين المحاور بالمنطقة·
وقد تحدث الرئيس رفيق الحريري آنذاك وفاوض باسم الدولة اللبنانية، معتبراً المقاومة مقاومتها، والمواطنين المدنيين بالمنطقة مواطنيها· وهذا على الرغم من أن الجيش اللبناني ما كان مسموحاً له بالدخول إلى منطقة الجنوب والجبهة مع اسرائيل(!)· ورغم تحقّق التحرير عام 2000 بدون دور مباشر ولا وجود للجيش هناك، فإن مسألة الدولة ما كانت شكلية، ولن تكون كذلك أبداً· ذلك أن عماد الثورات الشبابية العربية هو المشاركة، أي ممارسة حقوق المواطنة وواجباتها· وقد انتُهكت حقوق المواطنين اللبنانيين بهذا المعنى من الناحيتين الرمزية والفعلية، وما كان ذلك في مسألة المقاومة والسلاح ضد العدو وحسب، بل وفي طرائق العمل السياسي بالداخل، من حيث الاستعصاء والتكبّر على حكم القانون، واعتبار النفس والذات ووضعهما في موضع التفوق مقارنةً بالمواطنين الآخرين· وليس المقصود التعيير هنا أو القول إنّ فلاناً يسلك أفضل من فُلان، بل العودة لاعتبار المواطنة أساس دولة المشاركة، واعتبار المشاركة أساس التضامن والعمل بين المواطنين الأكفاء وعلى قدم المساواة· وليست هذه المعاني مثالية؛ بل هي مقتضى الديمقراطية وحكم القانون، اللذين يسعى إليهما الشبان العرب في كل مكان، حتى في البلدان التي يُعتبر حكمُها صالحاً وتنموياً ونظيفاً من الفساد·
وفي سياق التأزم الاجتماعي والسياسي بالداخل العربي، وتشابك العلائق مع الجوار والخارج، هناك أزمةُ حكم بالفعل في لبنان والأقطار العربية الأُخرى· ويحاول الشبان العرب إزالة أزمة الحكم أو تجاوزها باقتلاع الأنظمة من جذورها حتى في العراق، الذي ما مضت على قيام نظامه الجديد غير خمس سنوات· ولذا فالذي أراه وأكرّره (بعد أن كتبتُ عنه في <اللواء> يوم الأربعاء الماضي)، أنه لا بد بالفعل من حكومة وحدة وطنية تسرّع المعنيون في إسقاط مثيلتها قبل ثلاثة أشهر ونيف، وهم يحاولون العودة إليها الآن تحت أسماء مختلفة مثل حكومة الضرورة أو الإنقاذ، ولستُ أجادل هنا في التسمية، فالإنقاذ لا يمكن تحقيقه ولا التفكير فيه في حكومة <من لون واحد أو صنف واحد بل المطلوب وضع الأولويات في الوعي وعلى الطاولة، والتواضع بعض الشيء من جانب الجميع، والإدراك العميق أنه ما عادت المُزايدة ولا عاد الابتزاز نافعين>·
في ذكرى تفاهم نيسان على أولويات وطنية وقومية، يكون علينا بالفعل اعتبار التفاهم الوطني اليوم عملاً أخلاقياً كبيراً، من أجل استقرار المجتمع، واستمرار الدولة والنظام·