لم تكن الجمهورية الاسلامية الايرانية يوما مجردة من اي مصلحة ذاتية لها في تعاطيها مع قضايا المنطقة ومنها الوضع اللبناني – فلانعاش الذاكرة الجماعية نذكر بان الايرانيين ومنذ انجز الراحل ياسر عرفات في عهد الرئيس بيل كلينتون سلامه مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين – وهم يحاولون حض حليفهم السوري على الانسحاب من عملية السلام والتعاون في تصعيد الهجمات على اسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان.
وللذاكرة الجماعية نفيد ايضا بأن النظام الايراني مول جبهة لبنانية – فلسطينية اسلامية متكاملة بين غزة ولبنان وزودها بالسلاح الثقيل بهدف زعزعة اي اتفاق سلام بين العرب واسرائيل وبخاصة بين سوريا واسرائيل – ولم يكن الايرانيون يوما ينظرون بعين الرضى والاطمئنان الى محاولات احياء عملية السلام بين حليفهم النظام السوري (منذ ايام الرئيس حافظ الاسد) واسرائيل – من هنا سعيهم الدائم الى انشاء وتعزيز ادواتهم في المنطقة لتفشيل اي سعي جدي للسلام كي يبقى لهم دورا.
انطلاقا من المشهد اعلاه، تورط النظام الاسلامي الايراني الى حد التدخل في شؤون الدول ومنها الشأن اللبناني – وما تشير اليه المواقف الرسمية الايرانية دائما من تعامل ايران مع جميع الطوائف اللبنانية لم يرق الى مستوى انفتاح ايران على كافة القوى السياسية المكونة للمشهد الايراني انطلاقا من نظرتها المنحازة الى من صنعتهم ومن مولتهم ومن عززت وجودهم داخل المعادلة اللبنانية ليكون الاداة المنفذة لمشاريعها الخاصة وحربها الجهادية الخاصة ضد اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية في المنطقة.
فهذه الاجندة الايرانية هي نفسها التي ادت وتؤدي وستؤدي مع الايام المقبلة الى مزيد من التورط الايراني في مشاكل وصراعات مع دول المنطقة بدأ من لبنان ووصولا الى الخليج – لان النظام الايراني لا ينظر الى الدول في المنطقة الا على انها كيانات هشة يمكن ان يكون لها اذرعا فيها تحرك من خلالها ما تريد وتشاء وما يستجيب لمصالحها ولنظرتها في مواجهة "الشيطانين " الاكبر الولايات المتحدة والاصغر اسرائيل حتى ولو كان تدخلها دمويا كما في تفجيرات الخبر في السعودية في حزيران 1996.
في خلال زيارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون الى دمشق في تشرين الاول 1994 لمحاولة ضم النظام السوري الى حلقة التفاوض والسلام مع اسرائيل – سارعت ايران من خلال "حزب الله" الى اطلاق اثني عشر هجوما ميدانيا بالسلاح الثقيل ضد شمال اسرائيل – ولم تنفع تطمينات سفير سوريا في واشنطن انذاك وليد المعلم بمعالجة سورية للموضوع في ثني النظام الايراني وحزبه في لبنان في اطلاق هجمات مدفعية ضد شمال اسرائيل في اليوم التالي، وقد كان الرئيسان السوري وضيفه الاميركي في اجتماع مغلق بشأن السلام.
قبل بدء جولة المحادثات الثالثة للسلام بين سوريا واسرائيل برعاية اميركية في واي بلانتايشن – في شباط 1996 – جدد "حزب الله" هجماته انطلاقا من جنوب لبنان على اسرائيل لاستدراج رد فعل اسرائيلي عنيف يحرج المفاوضين ويعلق المفاوضات وهذا ما حصل فعلا – في الوقت عينه قامت حركة "حماس" بتنفيذ تفجيرين انتحاريين في القدس الغربية.
وفي شهر اذار 1996، شن "حزب الله" مجددا هجمات على اسرائيل من جنوب لبنان ما استدرج ردا اسرائيليل وحشيا على القرى اللبنانية فرد الحزب باطلاق صواريخ كاتيوشيا على شمال اسرائيل – فكانت "عناقيد الغضب" في نيسان من العام نفسه ومجازر اسرائيل في جنوب لبنان ومنها قانا – وبعدها سقوط بيريز وفوز التطرف الاسرائيلي مع نتانياهو في انتخابات ايار 1996 – وتنفس النظام الايراني الصعداء بتفشيل التقارب الاسرائيلي – السوري وبالتالي ضمان تعزيز حلفه مع النظام في دمشق.
لن نتوغل اكثر في الامثلة التاريخية لنتوقف عند استخلاص النتائج الاتية:
اولا: لم يعترف النظام الايراني وخصوصا الحالي يوما بلبنان كدولة سيدة حرة ومستقلة ذات قرار حر – بل وكما رؤيته لكافة الانظمة العربية – يعتبر لبنان ساحة لصراعه مع الشيطاين والغرب اجمالا – من خلال تدخله في عمق التركيبة اللبنانية مع وجود "حزب الله" كعامل مؤثر على الوضع الداخلي – والاعتراف المقصود ليس البروتوكولي بل الفعلي – لان اللغة المزدوجة الرسمية تخفي حقيقة اصطفاف ايران الى جانب ادواتها في لبنان ضد الفرقاء اللبنانيين المناهضين لها وبخاصة المسيحيين منهم – فلا يكفي قول ايران انها منفتحة على الطوائف اللبنانية، بل لا بد من ان تكون ايران منفتحة على القوى السياسية اللبنانية من دون استثناء إن ارادت اقناعنا بحياديتها ومراعاتها لخصوصيات لبنان.
ثانيا: ان النظرة التوسعية الايرانية لفكر تصدير الثورة واستعادة امجاد الامبراطورية الفارسية الصفوية – تجعل نظرة ايران الى لبنان خالية من اي احترام للقرار اللبناني الحر والسيد – ففي حين تعلن طهران عن اطيب العلاقات مع الدولة اللبنانية، اذا بها تقيم مع فريق لبناني علاقات مباشرة تتجاوز احترام سيادة الدول واحترام استقلالها لتعزيز انشقاقها عن النسيج الوطني الداخلي العام.
انه الخطأ الايراني في لبنان … علاقة مع "حزب الله" تسمو على العلاقة مع الدولة وقد تكون على حسابها احيانا…
