بقيام وزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال علي الشامي بإصدار تعليمات لمندوب لبنان في الامم المتحدة نواف سلام بأن يصوت ضد اي مشروع بيان او قرار "يضر بسوريا" – وهو فعل ذلك من دون العودة الى مجلس الوزراء او اقله الى رئيس مجلس الوزراء بإعتباره يقوم بالتنسيق بين مختلف الوزارات – عكس الشامي بـ"أمانة" التفكك الذي يصيب الدولة اللبنانية، وقد تفاقم بشكل كبير منذ ان دخل "حزب الله" وقبله حركة "أمل" برئيسها نبيه بري بقوة في معادلة السلطة، اذ تعرضت مؤسسات الدولة لاكبر عملية سطو مادي ومعنوي واداري منذ ولادة الجمهورية اللبنانية. ولم يكن مفاجئا ان يكون "مندوب" الثنائي "امل" و"حزب الله" في الحكومة (وزير الخارجية) في حل من كل سلوك مؤسساتي بتصرفه منفردا في موضوع بدقة الوضع الداخلي في سوريا. ولعل من المفيد التذكير بأن وزارة الخارجية دخلت مرحلة انحطاط مديد لا مثيل له، مع دخولها في حصة "الثنائي". هذا ما يفسر فضيحة الاعتراف بلوران غباغبو بتغطية من نبيه بري، والتعليمات الصادرة لنواف سلام بوقوف لبنان في مجلس الامن بجانب القمع والقتل الدائرين في سوريا!
هذه عينة بسيطة مما سيواجهه نجيب ميقاتي الذي يتأخر في تأليف الحكومة، وهو العارف اكثر من غيره ان المعطيات التي اتت به تبدلت الى حد كبير. فلميقاتي مرجعيتان جاءتا به: واحدة محلية ("حزب الله") والاخرى اقليمية (النظام في سوريا).
"حزب الله" مصنّف على مساحة نصف الكرة الارضية تنظيما ارهابيا، واعضاؤه اما ملاحقون بموجب مذكرات توقيف دولية واما ممنوعون من السفر، واما مراقبون بشبهة الارهاب. وقد اضيفت الى مشاكل الحزب ازمة البحرين (البعد الايراني) والصدام المباشر مع جميع عرب الخليج مما انعكس اضطرابا في اوضاع ثلاثمئة وخمسين ألف لبناني يعملون في المنطقة. ولا ضرورة للتذكير بالتأثير السلبي الذي يتسبب به الحزب على مصالح اللبنانيين واستقرارهم بسبب اعماله في مناطق عدة من العالم كأميركا الجنوبية او اوروبا (بين المهاجرين العرب والمسلمين) والولايات المتحدة. كما ان الحزب الذي يمثل مرجعية كبرى لميقاتي يقترب من ان توجه لأفراد كبار فيه تهمة الضلوع في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. من هنا العقدة الاولى. في المقلب الاقليمي، النظام في سوريا الذي أخرج من لبنان بـ"ثورة الارز" عاد ليمارس نفوذا مستجداً. ولكن ما يحصل منذ منتصف آذار الماضي في سوريا والتطورات المتلاحقة والخط البياني المتصاعد للازمة السورية الداخلية بفعل تحول الاحتجاجات ثورة حقيقية ضد النظام تزيد التعقيدات بالنسبة الى المنصّبين في لبنان بقرار سوري. اكثر من ذلك، عندما يسيل الدم في المدن والقرى، ويسقط مئات المدنيين الابرياء بالبطش والقمع لا يعود يشرّف احداً في لبنان ان يكون خيار النظام السوري لمنصب لبناني رفيع.
بعد هذا وحده المجنون يؤلف حكومة مطلوبين حقا…