#adsense

ثورات الشباب العربي تَهزم الأصوليّات

حجم الخط

اعتمد رؤساء الأنظمة العربية على مدى سنوات طويلة ورقة "الاخوان المسلمون"، أو النظام البديل المتطرّف، ليبعدوا عنهم شبح التغيير، وكان لذكر كلمة "الاخوان"، من أي نظام قائم، المفعول السحري على الأنظمة الغربية…

فبات "الاخوان المسلمون" "الفزّاعة" التي ضمنت لكلّ رئيس عربي بقاءه واستمراره في الحكم سنوات وسنوات…

واستخدمت حكومات عربية خطر الإسلاميين لتبرير السياسات الاستبدادية والأنظمة الأمنية القمعية، وتطبيق قوانين الطوارئ التي قوّضت الحريات المدنية وأتاحت صلاحيات واسعة للتفتيش والاعتقال والسجن من دون محاكمات.

"قصة راجِح" اتخذت مَداها على المستوى المسيحي في الشرق، وخَلق رؤساء الأنظمة معادلة جديدة ربطت بين استمرار زعامتها وحماية الوجود المسيحي في بلدانها. وحتى لا تبقى النظرية في الإطار التنظيري فقط، استتبعت بعمليات إرهابية منظمة على المسيحيين في غير دولة.

وهي نظرية آمن بها اللبنانيون المسيحيون المتحالفون مع سوريا، والذين بشّروا دائما بتحالف الأقليات لضمان الوجود المسيحي في لبنان…

ولعلّ الصورة في سوريا، أخيرا، هي أبرز دليل على عكس هذه النظرية، فالمتظاهرون الذين يُستعملون كفزّاعة للمسيحيين في الداخل السوري وخارجه، هم ذاتهم من أطلق على آخر تظاهرة اسم "الجمعة العظيمة"، لتحمل الى المسيحيين رسالة واضحة.

حتى جاءت ثورة الياسمين في تونس، ومن ثم ثورة الشباب في ميدان التحرير في مصر، لتثبتا أن الحكم الأصولي المعلّب والجاهز لتسَلّم السلطة، أمر غير ممكن، وأن "بُعبُع" "الاخوان المسلمون" أو الحركات الأصولية مبالغ به…

لم تكن الصحوة الإسلامية وراء تفجير ثورة الياسمين بداية، أو ثورة الفايسبوك لاحقا، والثورتان بدأتا بعمل محرّم شرعا وهو الانتحار.

انتفاضة شعبية، لا ثورة إسلامية

في مصر، شهدت بدايات الثورة التباسا في موقف "الاخوان المسلمون"، الأمر الذي أثبت أنهم لم يكونوا شرارة التغيير أو المخططين، فأتت مشاركتهم في اليوم الأول في 25 كانون الثاني رمزية للغاية، وأظهرت مشاهد ميدان التحرير تباعا أن نسبة أهل "الاخوان" في صفوف المتظاهرين بقيت هزيلة، ولم يلتحقوا بموجة التغيير إلا بعد نجاحها، فكانوا أحد الأطراف من بين الأحزاب والتيارات والفنانين والمثقفين المصريين الذين نزلوا الى الميدان وليس الكلّ.

واعترف نائب المرشد العام لجماعة "الاخوان المسلمون" رشاد البيومي أن ما يجري في مصر هو انتفاضة شعبية، وليس ثورة إسلامية".

في ثورة شباب السراويل "الجينز" والقمصان قصيرة الكم، وقفت المرأة في الصفوف الأمامية، فكانت الصورة أبعد مما تكون عن مشهد انتفاضة للأصوليين…

في ميدان التحرير، رفعت "الصلبان" الى جانب شعارات الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والدولة العلمانية لا الاسلامية… والجدير ذكره أن المطالب العشرة التي رفعها "الاخوان المسلمون" الى السلطة مع بداية الثورة، كانت أقلّ مما طرحته الثورة، فهم لم يطالبوا بإسقاط النظام على غرار شباب ميدان التحرير، ولم ينضمّوا أيضا الى مطلب تغيير الدستور بدلا من تعديله. مطالبهم هي مطالب القوة الشبابية الثائرة والأحزاب السياسية العلمانية والليبرالية، لم يطلبوا شيئا غيرها، ولم يرفعوا شعارا إسلاميا واحدا، لأن القضية لم تكن الإسلام كدين، بل كانت الحريات السياسية والعامة والعدالة الاجتماعية والقضاء على الامبراطوريات الاقتصادية التي يمسك بزمامها رجال الحزب الحاكم.

حتى أن الـ 77،2 في المئة الذين صَوّتوا مع التعديل توزّعوا على كل أطياف الشعب المصري، والأغلبية التي منحت صوتها لتعديل الدستور صَوّتت لتحقيق الاستقرار وعودة الحياة الى طبيعتها، ولم تنحصر بـ "الاخوان"… وليس قرارهم أخيرا عدم الترشّح في كل الدوائر الانتخابية البرلمانية المقبلة، والإعلان في المقابل عن التحالف مع قوى سياسية أخرى، إضافة الى قرار عدم الترشّح لموقع رئاسة الجمهورية المنتخب من الشعب، إلا خير دليل على الحجم الحقيقي للجمعية. وهم صرّحوا على الدوام بأنهم لا يريدون السلطة، ولا يستطيعون الحصول عليها حتى لو أرادوها، لأنّ قوّتهم الشعبية لا تؤهلهم لذلك…

سقط النظام، ودخل رموزه الى السجن، وألغي الحزب الوطني الحاكم الواحد. وعلى رغم كل ذلك، لم يتمكن "الاخوان المسلمون" حتى الساعة من تمرير فكرهم السياسي وتغليبه على فكر الثورة، او على نيّة مصر عبر مجلسها العسكري الإبقاء على معاهدات السلام القائمة بين مصر واسرائيل…

شباب الثورة أعلنوا عن رغبتهم في عَيش حياة القرن الواحد والعشرين على أكمل وجه، لدرجة إجبار جمعية "الاخوان المسلمون" أنفسهم على الدخول في مناقشة داخلية بين هامشَيها الأكثر تحفظا والأكثر اعتدالا، وانتصر الاعتدال… فقبلت الجمعية أخيرا، على سبيل المثال، بانتخاب رئيس قبطي، أو انتخاب المرأة لرئاسة الجمهورية.

المساواة وحرية بناء الكنائس وتوفير الامن والأمان للأقباط، لا يمكن أن تتحقق في ظلّ حكم بوليسي مُستبد، بل انها تتحقّق في قيام الدولة العادلة والديمقراطية الحقيقية… ولعلّ قرار القوات المسلحة المصرية إعادة بناء الكنيسة التي أحرقت في آذار الفائت في إحدى قرى حلوان، على خلفية قصة حب فاشلة بين شاب مسيحي وفتاة مسلمة، هي خير دليل على الفارق بين عصر الحريات وزمن الاستبداد السياسي… عندما كان مجرّد تجديد الكنائس يحتاج الى إذن السلطات الرسمية الحاكمة، فما بالك بالسماح ببناء دور عبادة جديدة؟!!

وأثمر المناخ الديمقراطي كذلك اتصالا هاتفيا بين البابا شنودة والمرشد العام لـ "الاخوان المسلمون" بغية الاطمئنان الى صحة رأس الكنيسة القبطية…

لم تختلف الصورة للفزّاعة إياها في ثورة الياسمين… انتفض شباب تونس ضد الفساد ورفعوا شعار الحرية…

اتّحدت شرائح الشعب، وهي في غالبيتها من غير المتدينين، ومن الذين لا يكتفون بعلمانية فصل الدين عن الدولة، بل ويطالبون بعلمانية على النموذج الفرنسي، أي علمانية المجتمع والمدرسة…

والكل يذكر عودة زعيم حركة النهضة التونسية، التي تتبنّى فِكر "الاخوان" في تونس، راشد الغنوشي من منفاه، معلنا أن حركة "الاخوان" في تونس هي على نموذج العدالة والتنمية التركي، ولن تكون نموذجا أو امتدادا لثورة إيرانية متطرفة.

وفيما حاولت حركة "الاخوان" تنظيم تظاهرة لفرض الحجاب وإلغاء قانون العلمانية ولم تنجح، لم يطالب، في المقابل، المتظاهرون في تونس تطبيق الشريعة الإسلامية، لكنهم طالبوا بإجراء انتخابات نزيهة، واتضح أكثر فأكثر ضعف الإسلام السياسي، ما دفع المتخصصة في شؤون شمال إفريقيا في كلية العلوم الاجتماعية في باريس أمل بو بكر الى القول: "الدرس مما يحدث في تونس هو أن الزعماء العرب لن يستطيعوا أن يختبئوا أكثر وراء حجّة تهديد الإسلاميين"…

يمكن القول إن عامل الوقت لم يكن كافيا لإعادة هيكلة تنظيم حركة "الاخوان المسلمون" بعد سنوات طويلة من القمع والمنع، وبالتالي لم يستطع "الاخوان" إبراز حجمهم في مصر وتونس. إلا أن نظرة سريعة الى النموذج اللبناني كفيلة بنقض هذه النظرية، ففي بلد الحرية والديمقراطية حيث البيئة المناسبة لتناميهم، لم تصل نسبة الحركات الاصولية الى حجم وازن، ولا الى قدرة فاعلة، والصورة المعبّرة هي لتظاهرة حزب التحرير في طرابلس، مقابل مشهد استقبال الرئيس سعد الحريري زعيم التيار السني المعتدل في المدينة نفسها.

كل يوم يَمرّ تسقط معه روايات اعتدنا الخوف منها سنوات طويلة، فيما الثابت الوحيد أن تجربة قمع الحريات من دون محاسبة قد سبقها التاريخ.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل