كتبت سابين عويس في "النهار": رغم حرص رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي على الحفاظ على المناخ الايجابي الذي تتسم به تحركاته التشاورية الرامية الى تشكيل الحكومة، فان التوقعات التفاؤلية بولادة حكومية بعد عطلة الفصح المجيد لم تصمد لأكثر من يومي العطلة، ذلك ان كل المواقف التي برزت بعد استئناف الاتصالات عكست عقم تلك التحركات وعجزها عن تجاوز العقبات والعقد التي لا تزال تحول دون التأليف.
وما بين هجوم رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون على رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الوزراء المكلف، متهما الاول بالتعطيل بعدم توقيع مرسوم التأليف ومحملا الثاني مسؤولية التأخير "في انتظار حل امور الشرق الاوسط"، ورد رئيس المجلس نبيه بري عليه عبر تحميله مسؤولية التأخير "ولو غير المقصود"، معطوفا على هواجس رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط ودعواته المتكررة الى اعادة فتح قنوات الحوار المقطوعة بين القوى المتخاصمة، ثمة واقعان تستخلصهما مصادر سياسية مواكبة لحركة التأليف:
– أولهما عدم تماسك تحالف قوى 8 آذار وعجزها عن التوفيق بين الحسابات الشخصية المحلية لبعض اركانها والحسابات الاقليمية للبعض الآخر. وقد بدأ التأخير في تشكيل الحكومة يتفاقم بعد تفجر ملفات اقتصادية ومالية واجتماعية في وجه الاكثرية الجديدة، يسهل على الفريق الخصم التصويب عليها واتهامها بالعجز عن ادارة دفة الحكم على غرار ما يصدر عن كتلة "المستقبل" بعد اجتماعاتها الاسبوعية بشكل مركز وممنهج.
– التنصل من مسؤولية التأخير والتنبه لعدم تحميل سوريا اياها خلال ربطها بالاضطرابات الجارية على ارضها، ولئن تعذر القاء اللوم على قوى الرابع عشر في هذه المسألة، فان الاكثرية بدأت تتقاذف هذه المسؤولية في ما بينها كما بدا من موقف بري اول من امس بعدما كان اعلن ان "من ينتظر تطور الاحداث في سوريا لا يريد تأليف الحكومة"، فرد عليه رئيس المجلس بأن "التأخير ولو بغير قصد هو جزء من المؤامرة على لبنان وسوريا"، واما عبر إلقائها على رئيس الجمهورية كما يفعل عون بتحميل سليمان مسؤولية تعطيل البلاد، فيما المعارضة الجديدة تقف متفرجة على مشهد التخبط ضمن الفريق الواحد.
وتعزو المصادر السياسية وصول الامور الى هذا المستوى الى تساهل قيادة "حزب الله" من الاساس مع مطالب الحلفاء معولة على رغبة اقليمية في التريث حتى انقشاع الرؤية في المنطقة ولا سيما في سوريا.
وتكشف المصادر لـ"حزب الله" عن معلومات توافرت حول توافق مبدئي تم بين رئيس الوزراء المكلف والامين العام للحزب السيد حسن نصر الله يقضي بأن يسَهل الحزب مهمة ميقاتي في التأليف من خلال البقاء بعيدا من الصورة منعا لاستفزاز المجتمع الدولي كما يسهل صدور بيان وزاري عن الحكومة يحافظ على التزامات لبنان حيال المحكمة الدولية تلافيا لأي مواجهة دولية وخصوصا بعدما نقل ميقاتي الى نصر الله حجم التحذيرات الدولية من اخطار قيام حكومة من لون واحد تمس في الالتزامات الدولية، على ان يقابل هذا التسهيل من الحزب، تجاوب من الرئيس المكلف مع مطالب الحليف المسيحي تعزيزا لموقع عون على الساحة المسيحية بعد التراجع الذي اصابه، وذلك من ضمن منطق ان التريث والتروي في التشكيل يساعدان الحليفين المسيحي والسني على تعزيز مكانتهما داخل طائفتهما ولا يستفز الفريق الخصم لاستعادة ما فقده نتيجة خروجه من الحكم من خلال انتقاله الى صفوف المعارضة. ولا يبدو الحزب الذي لم يختر حتى الآن ممثليه في الحكومة مستعدا للتراجع عن دعمه لحليفه المسيحي ما يهدد اي حكومة لا تحظى بقبول عون بحجب الحزب ثقته عنها على ما تقول المصادر.
ولأن الامور بلغت بين سليمان وعون حد اللاعودة في التنازع على الحقائب، ولأن رصيد الرئيس المكلف بات على محك الاكثرية التي سمته وعجزت عن تسهيل مهمته، ولئلا تأتي نتائج اي تشكيلة حكومية "كسر عضم" بين عون وميقاتي وخصوصا ان الرئيس المكلف يخلص الى تحقيق ما يصبو اليه (توزيع الحصص مثلا بحيث حصد الى جانب سليمان وجنبلاط 11 مقعدا وزاريا في مقابل خفض حصة عون من 12 الى 10)، فان الاوساط القريبة من ميقاتي تؤكد انه بعدما تجمعت كل المعطيات لدى كل مكونات الاكثرية الجديدة واخذت في الاعتبار كل المطالب والحساسيات والظروف والمعطيات، فان المرحلة اليوم باتت لتحديد المخارج المتاحة والتي تحصرها بشكل الحكومة وهل تكون برلمانية ام تكنوقراط ام سياسية مطعمة. وتؤكد ان لا نية لدى الرئيس المكلف بالاعتذار بل ان العمل جار حالياً على ايجاد المخرج الذي يناسب المرحلة ومتطلباتها. "فالوقت انتهى ولم يعد في الامكان التلهي بمطالب عقيمة والوقت الآن للقرار" على ما تختم الاوساط عينها معربة عن ارتياح ميقاتي الى مسار التأليف.