"نحن في بلد لا يصرخ الا بعد وقوع المشكلة". بهذه العبارات اختصر وزير الطاقة جبران باسيل لـ"النهار" المشهد المضطرب شعبيا على وقع ارتفاع اسعار المحروقات وخصوصاً البنزين الذي قارب الـ37 الف ليرة، ولا يزال يحافظ على اتجاه تصاعدي لأسعاره عالميا بسبب استمرار الاضطرابات في مناطق النفط العربي بما دفعه الى التطلع على ما تبقى من رسم الاستهلاك بعد خفض اول وصل الى 5500 ليرة .
وفيما تحار وزيرة المال ريا الحسن في التوفيق ما بين دعم المواطن في "ضيقته" والمحافظة على موارد الخزينة العامة الواقعة اساسا في عجز ارتفع الى 37% من الناتج المحلي، تبقى في بحثها عن "الخيارات الافضل" لحل مشكلة البنزين، وتقول لـ"النهار" ان ثمة طروحات قد تكون مفيدة في الامد البعيد على غرار طرح اعادة احياء الصندوق المستقل للمحروقات الذي سيحتاج الى دعم منا وفقا لاتجاه الاسعار الحالي، بينما نحن في حال عجز عن تغطية فوارق ارتفاع الاسعار، ونحتاج الى حل آني لهذه المرحلة". وقالت "لا نزال في مرحلة درس الخيارات لتخفيف الضغوط الاجتماعية بعدما اقرّينا دعم القمح بـ70 مليار ليرة".
ومعلوم ان ارتفاع سعر صفيحة البنزين المتواصل منذ مطلع السنة استهلك خفض الـ5500 آلاف ليرة من ضريبة الدولة، وقد تعد الارتفاعات المتواصلة باستهلاك اي قرار مماثل، وهو ما اعتبره باسيل "حلا افضل" حاليا، مطالبا برفع الرسوم كليا عن مادة البنزين وتحريرها من الـ4400 ليرة المتبقية رغم ادراكه تأثيرها على واردات الخزينة، وذلك بعدما اخذ الخفض الاخير نحو 5100 ليرة من اصل 5500، ويتوقع ان يتجاوزه في حال استمرار الارتفاع العالمي. واذ يؤكد اقتناعه بان هذا الحل ليس الانسب، يدعو الى سياسة نفطية كاملة تشمل توفير بدائل للنقل.
كتاب "الخفض الجديد"
وللغاية، رفع باسيل كتابا الى الحسن وابلغ نسخا منه الى كل من رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الاعمال ورئيس الحكومة المكلف، اطلع بموجبه وزيرة المال على نيته العودة الى القوانين المرعية وخصوصا القانون 326/2001 والمرسوم 12480/2004 والصيغة التي اعتمدها سابقا لخفض الرسم الداخلي عن مادة البنزين "والذي جنّب البلاد في حينه كارثة اجتماعية كانت مرتقبة".
وانطلاقا من تحمل مسؤولياته حيال المواطن الذي بات دخله الشهري لا يكفيه ثمنا للمحروقات تأمينا لتنقلاته، اعلن باسيل نيته "اعتماد الاجراءات عينها كما في المرة السابقة لخفض رسم الاستهلاك الداخلي عن البنزين، ونقوم استطرادا باخذ رأيكم عن نسبة الخفض التي سنقررها ادراكا منا لما لها من تأثير على واردات الخزينة، علما انه بات لزاما علينا الغاء هذا الرسم كليا (اي خفض الـ4400 ليرة المتبقية اضافة الى الضريبة على القيمة المضافة من دون المساس بالضريبة على القيمة المضافة والرسم الجمركي على بقية السعر)، مذكرين بان رسم الاستهلاك الداخلي كان معدوما في 2008 عند ارتفاع اسعار المحروقات عالميا في السابق.
ولان هذه الاجراءات تبقى "موضعية جزئية وموقتة"، انتقد باسيل "التجاذب السياسي" الذي يحول دون اعتماد البدائل الحديثة لسيارات النقل الخاص والعام العاملة على المازوت والكهرباء وخصوصا الغاز، وانشاء محطاتها وفقا لمشاريع القوانين التي تقدمت بها وزارة الطاقة، "ولا تزال عالقة امام لجنة الطاقة والمياه والاشغال العامة والنقل والتي تتقاعس في اقرارها رغم مطالبتنا المتكررة بها منذ شباط 2010".
وجديد الاقتراحات
ونظرا الى طبيعة البنزين كمادة حيوية تنعكس على سلع كثيرة وخدمات متعددة، تتوسع دائرة الآثار السلبية لارتفاع اسعار المشتقات النفطية لتطول الى قطاع النقل البري الذي تحرك على الارض، قطاع الشحن البحري، "اذ تطالب شاحنات النقل الداخلي التي تقوم بنقل المستوعبات والبضائع من المرافئ البحرية الى مستودعات الموردين، برفع اجورها بسبب غلاء المازوت لتغطية فارق السعر. وهذا ينعكس على كلفة المستوردين، اضافة الى انه لم يعد في استطاعة البواخر التزود بالمازوت من المرافئ اللبنانية"، وفق نقيب الوكلاء البحريين حسن الجارودي.
وفي الحلول، اكد لـ"النهار" اهمية المحافظة على واردات الدولة من رسوم، لكنه دعا الى الاخذ في الاعتبار ان النقل البري هو صناعة وطنية. لذا، دعا الى منح العاملين فيه دعما يراوح بحسب حاجة كل منه، "فتمنح البواخر مازوتا بسعر مدعوم، وتمنح شاحنات النقل الداخلي على اللوحة 60 صفيحة مازوت شهريا بسعر مدعوم، ووسائل نقل الركاب على اللوحة ايضا 30 صفيحة بنزين شهريا بسعر مدعوم".
الاقتراحات كثيرة، لكن وزيرة المال لا تزال تبحث في الخيارات المتاحة في الاجتماعات التي تعقدها في مكتبها، الى حين التوصل الى ما يوفق بين عجز الخزينة وعجز المواطن.