#adsense

سرّ استمرار ارتفاع الدولار رغم التعميم 158

حجم الخط

راهن كثيرون على أن تعميم مصرف لبنان رقم 158، المنتظر البدء بتطبيقه نهاية الشهر الحالي، سيضفي أجواء إيجابية على الوضع الاقتصادي والمالي، وسيضبط إلى حدٍّ معيّن سوق الصرف ويلجم تفلت سعر الدولار في السوق الموازية. وذلك انطلاقاً من كونه يتيح للمودعين سحب قسم من ودائعهم بالدولار، نقداًFresh dollar، بشروط ونسب حدَّدها التعميم، ما يعني دولارات إضافية في السوق يُفترض أن تؤدي إلى نوع من الاستقرار النسبي لسعر الصرف.

لكن الوقائع أتت معاكسة للرهانات والتمنيات، أقله كما خطَّط البنك المركزي. فالدولار واصل ارتفاعه وكأن شيئاً لم يكن. علماً أن التعميم رقم 158 لم يلقَ ترحيباً من صندوق النقد الدولي، بل على العكس، حذَّر الصندوق من تنفيذه معتبراً أن هذه الخطوة تشكل خطراً بالغاً ومن شأنها زيادة الضغوط التضخمية وخفض قيمة العملة اللبنانية، وأن اقتراحات مراقبة وضبط رأس المال والسحب من الودائع في لبنان تحتاج لأن تكون جزء من إصلاحات أوسع للسياسات حتى تكون مستدامة.

بالإضافة إلى ذلك، لم يساعد تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن أنه يعمل مع شركاء دوليين لإنشاء آلية مالية تضمن استمرار الخدمات العامة اللبنانية الرئيسية في حال حدوث أيّ اضطراب سياسي، في إعطاء نفحة إيجابية في هذا السياق. وربط مراقبون كثر بين موقف ماكرون، والأزمات المستفحلة في الأيام الأخيرة، ومشاهد طوابير السيارات أمام محطات المحروقات، وإقفال صيدليات، وانقطاع أصناف عدة من الدواء والمستلزمات الطبية، وغيرها. ومن الطبيعي أن كل ذلك انعكس على سعر الدولار.

قبل أسبوع بالتمام، توقعت مصادر مالية واقتصادية، لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الدولار يتأهَّب لـ”ملعب” الـ13000 ـ 14000 ل.ل“، موضحة الأسباب التي بنت عليها توقعاتها، مع إشارتها إلى أن الاتجاه صعوداً. وبالفعل، ومع مطلع الأسبوع الحالي، بدا واضحاً أن سعر الدولار يتجه إلى تخطي هذا الرقم. وحتى لحظة نشر هذا المقال، كان الدولار قد بلغ 15000 ل.ل في السوق السوداء.

الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان، يوضح، أسباب القفزة الأخيرة للدولار، غير المتوائمة تماماً مع وقائع السوق. ويقول، لموقع “القوات، “صحيح أن مسار الدولار تصاعدي، لكن منطقياً، لا تبرير ولا تفسير لهذا الارتفاع المضطرد لسعر الدولار بهذه النسبة خلال أيام قليلة، إلا في السياسة”.

ويشير، إلى “نقاط عدة لتوضيح الأمر عملياً، منها: أولاً، بدأ موسم الصيف وتوافد السياح والمغتربين الذين ينفقون الدولار الطازج في السوق. وثانياً، لم يتم رفع الدعم عن المواد الأساسية وبدأ التجار بالتالي بالتهافت على شراء الدولار من السوق السوداء، إنما الأمر لا يزال في دائرة الترقب. وثالثاً، أُنشئت منصة صيرفة للتجار والمستوردين وانسحبوا من السوق الموازية باتجاه التعامل مع المصارف عبرها. بالإضافة إلى أنه، وعلى الرغم من عدم بدء تطبيق التعميم 158 المنتظر نهاية الشهر الحالي، لكن لم يطرأ على السوق أي عامل معاكس له بشكل صادم. بالتالي كان يُفترض أن يتراجع الطلب على الدولار في السوق السوداء منطقياً”.

لكن أبو سليمان، يذكّر بأنه “في كل مرة يتأزَّم الوضع السياسي وتشتد حدة المواجهات بين الأطراف، يحصل نوع من الإيعاز أو التلاعب بسعر الدولار. من دون أن يعني ذلك أن سعر الدولار يفترض أن يكون أدنى مما هو عليه بكثير وذلك تبعاً للوضع الاقتصادي والمالي والنقدي المأزوم المعروف، فالمسار تصاعدي، إنما الارتفاع الأخير ملفت ولا يمكن تبريره إلا في السياسة”.

وبرأي أبو سليمان، أن “انعدام الاستقرار والتشنج السياسيين، هما العاملان الضاغطان أكثر من سواهما. فزئبقية المواقف والأصداء حول ملف تشكيل الحكومة مثلاً، عامل غير مساعد. إذ نلاحظ يوماً إطلاق وعود وتسريبات حول قرب التشكيل، ليتبيَّن في اليوم التالي عدم دقة ما يُسرَّب، بل العكس، بأن الوقائع الحقيقية تؤكد أن الصراع مستمر ومحتدم بين المعنيين، فتحصل انتكاسة وإحباط لدى المواطنين، ما ينعكس حكماً على الوضع الاقتصادي والمالي وحركة سوق الصيرفة، لأن العامل النفسي عنصر أساسي في هذا السياق”.

ويلفت، إلى أنه “بالإضافة إلى ذلك، هناك بيان صندوق النقد الدولي الذي حذَّر من تنفيذ التعميم 158 وأضراره، وتصريحات ماكرون التي عكست مخاوفه على مستقبل لبنان”، معتبراً أن “هذه المواقف ترخي ثقلها على الوضع عامة إذ تعبِّر عن مخاوف من تدهور أكبر، خصوصاً مع استمرار شد الحبال والمواجهات السياسية بين الفرقاء، ما يزيد من عوامل القلق وفقدان الثقة بالسلطة والمسؤولين أكثر، وينعكس حكماً على سعر الدولار”.

ويؤكد أبو سليمان، أنه “لم يحصل طلب على الدولار في الأيام الماضية بشكل مضاعف وخارج عن المألوف، جراء مثلاً الإعلان عن رفع الدعم وهجوم التجار على السوق السوداء لتأمين الدولار. مع الإشارة إلى أن تأخير الموافقة على بعض الاعتمادات يرسل إشارات معينة عن وضع الاحتياطي الحرج في مصرف لبنان الذي يبدو أنه يُستنفد”.

لكنه يشير، إلى أن “الطلب على الدولار مستمر من قبل المواطنين ومختلف التجار الذين لا تلبي منصة صيرفة كل طلباتهم. واستمرار الوضع على ما هو عليه من انعدام الأفق السياسي والتشنج والتصعيد، بالإضافة إلى الإشارات الدولية المحذّرة وغير المشجّعة، فضلاً عن الاضطرابات الشعبية المتجددة على خلفية تدهور الوضع الاجتماعي وأزمات المحروقات والدواء والغلاء وغيرها، كل ذلك يدفع إلى استمرار تفلُّت سعر الدولار واتجاهه صعوداً، من دون تحديد رقم معين. خصوصاً أن الجميع كما يبدو نزع فكرة حكومة المهمة الإنقاذية من حساباته، والكل يتهيَّأ للانتخابات النيابية المقبلة في أيار العام 2022 كما يُفترض”.

ويوافق أبو سليمان، على أنه “حتى وإن تشكَّلت الحكومة اليوم فهي فقدت المومنتوم، ومن المستبعد جداً أن تكون حكومة المهمة الإنقاذية المأمولة بسبب ضيق الوقت. لكن قبل ذلك، بسبب كل التشنجات والصدامات والهجومات التي رافقت تشكيلها، في حال شُكِّلت. فأي حكومة منتجة ستكون وأي قرارات إنقاذية إصلاحية ستتخذ في ظل هذا التناحر بين مكوناتها ونحن على أبواب الانتخابات والكل بدأ يعمل حساباته لهذه الناحية؟”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل