سوء الاستخدام يهدّده ولا يشبه اللبناني ولا المصري والتونسي
الجيش السوري نزل… ولا أحمد الخطيب أو فؤاد مالك
الصورة المعبّرة تلقفتها وكالات الأنباء العالمية. أحد المحتجين في درعا يرمي حجراً في اتجاه دبابة، وجندي عليها لا يلتفت. في اليوم التالي كان التلفزيون السوري الرسمي يسأل المواطنين رأيهم في "نزول الجيش" فيبدون ابتهاجهم مع الأمل في عودة راحة البال. لا أحد أكثر من اللبنانيين يدرك مشاعر السوريين حيال المشهد، يعيدهم إلى بدايات جلجلتهم ذات 1975. جولة تلو جولة كان الدم يسيل على وقع لازمة واحدة في الصحف، والإذاعة اللبنانية وتلفزيون لبنان كانا وحيدين على هواء تلك الأيام ولا منافس: ينزل الجيش… لا ينزل. رحم الله الرئيس رشيد كرامي كان يخشى أن ينقسم الجيش. وفي سوريا انقسم على قناتي "الجزيرة" و"العربية" ولم نسمع ضابطاً أو جندياً يصدر بياناً أو البلاغ رقم واحد. رأينا جنوداً يسيرون مع متظاهرين ولكن لا أحمد الخطيب ولا عزيز الأحدب على الشاشة هناك ولا فؤاد مالك ورفاقه، فكيف نصدق؟
أنزل الرئيس السوري الشاب الجيش مفترضاً عن حق أنه يوحي الثقة، لكنه لم يتنبه لأهمية استباق نزوله بالوفاق السياسي، وإن في الحد الأدنى، وكذلك خطر استخدامه قوة ردع نارية في وجه العزّل. الجيش تلتصق صورته عادة بالدفاع عن الوطن، فيما قوى الأمن موصومة بالدفاع عن السلطة في مقابل الشعب والشغب الذي يصدر أحياناً عن الشعب بذرائع شتى، منها المطالبة بالحرية أو الحق في العيش الكريم وما شابه، ومنها الرغبة العارية في انتزاع السلطة من أجل السلطة لا غير على طريقة الانقلابات العربية السابقة. لكن لا مفرّ في نهاية الأسبوع من إلقاء نظرة على النتيجة. إذا كانت أعداد الضحايا من هنا وهناك تتزايد بالعشرات في الأيام العادية وتقفز بعد صلوات الجمعة رغم التنازلات التي تقدمها السلطة كل خميس، فيجدر بهذه السلطة التفتيش عن حلول أخرى غير الدبابات وطلقات الرصاص الحي على الأحياء. تظاهرات أمس أكبر دليل.
ثم من قال "كذِبت وسائل الإعلام ولو صدقت؟". في تجربتنا اللبنانية القاسية لم ينقسم الجيش بسبب سيل الكلام على انقسامه، بل لأن البلاد كانت مشلعة يتناتشها المتآمرون والمتباغضون والغاضبون بلا حساب، ومقتنصو الفرص ومجانين العقائد المستحيلة أيضاً. حصل ذلك في بدايات حرب السنتين وكان سيحصل في 1952 على ذمة شخصية نقلت عن الجنرال فؤاد شهاب، قوله للرئيس بشارة الخوري إنه إذا أنزل الجيش لقمع تظاهرات "الجبهة الاشتراكية الوطنية" فإنه يضمن تماسكه سبعة أيام وبعد ذلك لا يمكنه التكهن بما يصير (العميد الركن المتقاعد أديب سعد لا يؤكد صحة هذا الكلام المنقول، وكان نائباً لقائد الحرس الجمهوري قريباً من شهاب، لكنه يقول أنه سمع به. أما كاتب سيرة الجنرال شهاب الزميل نقولا ناصيف فلم يتناه إليه حديث مشابه).
لا بأس في إحياء الذاكرة البائسة للمقارنة بين الأوضاع الأشد بؤساً. كان الجيش فئوياً بالنسبة إلى "الحركة الوطنية" الثائرة آنذاك فرفضت نزوله، وكان"وطنياً" بالنسبة إلى "الجبهة اللبنانية" التي طالبت عبثاً بنزوله. تلك كانت البدايات. في النهاية لم ينزل إلا مشرذماً على جبهتي القتال، ولتغذية المتقاتلين. ولم يتحد إلا عندما اتحدت أطراف الدولة الممزقة في ظل اتفاق سياسي ( الطائف). سقطت نظرية "الجيش هو الحل" لكاتبها العميد فؤاد عون، والتي طالعها ملياً وحفظها الجنرال ميشال عون. لكنه بقي الحل للفراغ في رئاسة الجمهورية.
في سوريا يختلف الوضع. يُقال إن ثمة حداً أدنى من التمييز في أذهان المواطنين بين الجيش والسلطة، والنظرة إليه تختلف عن النظرة إلى أجهزة أمن تسرع إلى الفتك، لكنه يبقى في خدمة السلطة يستحيل تشبيهه بالجيش المصري الذي تخلى عن الرئيس حسني مبارك، أو بالجيش التونسي الذي خذل الرئيس زين العابدين بن علي. وإذا طالت مدة الاضطرابات وتوسعت وظل عدد الضحايا يرتفع، فقد يعيش السوريون ما عاشه قبلهم اللبنانيون من مآسٍ ولّدها سوء استخدام الجيشين اللبناني والسوري على السواء. هل تذكرون؟