تأييد أميركي للتحرّك التركي واستعدادات خليجية مقرونة بشروط
الإصلاح والابتعاد عن إيران في المقايضات مع سوريا
فيما بدأت تركيا مهمة على خط النظام السوري من اجل حضه على وقف استخدام القوة ضد المحتجين في المناطق السورية ووضع خطة فورية للاصلاح، ربطت مصادر التحرك التركي السريع في اتجاه سوريا بالاتصال الذي أجراه الرئيس الاميركي باراك اوباما بالقيادة التركية في الآونة الاخيرة. وكشفت مصادر ديبلوماسية موثوق بها ان الموقف الاميركي مما يجري في سوريا بدأ يشهد تغييرا حقيقيا منذ يوم الجمعة المنصرم وما حصل من قمع للمحتجين في يوم "الجمعة العظيمة" تخطى عدد ضحاياه مئة بالتزامن مع انتقادات في الكونغرس والاعلام الاميركي لرد الفعل الخجول للادارة الاميركية على التطورات في دمشق مقارنة برد الفعل ازاء ليبيا مثلا. وبحسب هذه المصادر، فان الولايات المتحدة التي قد لا تكون ترغب في اعطاء دمشق ورقة تبرر فيها قمع المتظاهرين كما كانت الحال بالنسبة الى الموقف الذي اعتمدته الادارة من قمع السلطات الايرانية لمعارضيها، فان واشنطن تعتمد اكثر على حلفائها الاوروبيين في توجيه الرسائل المناسبة، باعتبار ان النظام السوري يحاول ان يبقي هذه الدول الى جانبه نسبيا، وانه اكثر تأثرا بها من الضغط الذي يمكن ان تمارسه الولايات المتحدة على رغم رمزية موقفها وأهميته في هذا الاطار وخصوصا ان النظام السوري بذل جهدا كبيرا لفك العزلة الدولية عنه عبر اوروبا وصولا الى اميركا. وتقول المصادر نفسها ان الولايات المتحدة اوكلت الامر نسبيا الى تركيا لاقناع الرئيس الاسد بوقف قمع المحتجين وبدء خطوات اصلاحية مقنعة نظرا الى الاطمئنان السوري الى تركيا من حيث المبدأ، ويجاريها في ذلك عدد من دول الخليج علما ان معطيات ديبلوماسية عدة تتفاوت حول مواقف هذه الدول، اذ تفيد معلومات من دول خليجية عن استعداد لديها من اجل مساعدة سوريا في المحافظة على النظام والحؤول دون تعرضه للضغوط الخارجية شرط التزامه امرين اساسيين يشكلان ابرز مقومات المرحلة التي تمر بها بعض الدول في المنطقة العربية.
الامر الاول يتصل بضرورة ان يعتمد النظام خطة جدية للاصلاح السياسي. والامر الآخر يتصل بأهمية ابتعاد النظام السوري عن ايران في شكل واضح بعدما لم يعد في امكان الدول العربية التساهل ازاء ما تعتبره هذه الدول عبثا ايرانيا بأمنها واستقرارها.
وتتحدث هذه المصادر عن ان وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد عاد من زيارته الاخيرة لدمشق بانطباع ان لدى الرئيس السوري خطة للاصلاح وان هذا الاخير يتمنى دعم الدول العربية لمهلة معينة تفسح في المجال امامه من اجل البدء بعملية الاصلاح . في حين ان الابتعاد عن ايران امر لا يمكن ان يحصل دفعة واحدة. وقد افادت معلومات ديبلوماسية ان وزير الخارجية الايراني علي صالحي طلب قبل ايام القيام بزيارة للعاصمة السورية لكن المسؤولين السوريين فضلوا الا تحصل الزيارة في هذا الوقت. وقد فهمت المصادر الديبلوماسية ذلك على انه اشارة بسيطة من جانب دمشق الى استعدادها للتعاطي ايجابا مع هذا الموضوع والبدء بخطوات صغيرة في هذا الاطار.
وتفيد المعلومات نفسها ان استياء خليجيا قويا تسببت به مواقف القيادة السورية في ردها القمعي على الاحتجاجات وخصوصا مع محاولة سوريا رمي الاتهامات في مسؤولية بعض الاحداث الداخلية على فريق "تيار المستقبل" في ما فهمته مصادر متعددة انه كان رسالة انذار الى الدول الخليجية كما الى المملكة العربية السعودية بضرورة التزام الحذر ازاء اي موقف اعتراضي في ضوء نية النظام السوري القيام بحملة قمع للمحتجين في درعا واهاليها تحت وطأة ان اي رد فعل اعتراضي يحمل في طياته تهديدا بنقل الازمة السورية الى لبنان مع ما يمكن ان يعنيه ذلك على استقراره. علما ان هذا الموقف السوري فهم ايضا من دول غربية على انه رسائل بالمعنى نفسه الى دول غير حليفة لدمشق تحذر من ممارسة الضغوط عليها او ابداء رد فعل قوي على قمع المحتجين. كما ان هذا الاستياء الذي عكسته وسائل اعلام خليجية في تغيير موقفها من تغطية الاحداث الجارية في سوريا اتى في اعقاب الزيارات التي قام بها بعض المسؤولين الخليجيين والاتراك لدمشق والتي فهم منها ان هذه الاخيرة لا تنوي إحداث اي تغيير او تعديل بالاصلاح وان الاستياء الخليجي انسحب على الموقف الاميركي ايضا الذي اعتبرته الدول الخليجية متساهلا جدا في التعاطي مع الاضطرابات في سوريا على عكس ما اعتمدته واشنطن ازاء الدول العربية الاخرى الاقرب اليها من نظام دمشق.
لكن الموقف الحقيقي لا يزال يتلخص حتى الآن ان امام النظام السوري فرصة حقيقية لا تزال متاحة على رغم ما تعتبره هذه المصادر اغراقاً للنظام السوري والرئيس الاسد تحديدا في محو صورة الاصلاحي التي كانت له في شكل عام لمصلحة صورة الحاكم الذي يقمع. وهذه الفرصة تتمثل في اعطاء الدول الخليجية المجال له على الاقل ليظهر انه اصلاحي وانه يبتعد عن ايران. فهذه الدول اظهرت قدرتها على التوسط في ازمة اليمن وساهمت في حل وان يكن لا يزال يحمل بذور التفجر ويبدو انها تمد اليد الى سوريا انما ايضا وفق الشروط التي تناسب مصلحة الدول العربية والمنطقة. وهو أمر لن تتلكأ في دعمه الدول الغربية عند الحدود التي وصلت اليها الامور في المناطق السورية في الايام الاخيرة.