وصل البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إلى سدة البطريركية المارونية في الوقت المناسب، في وقت أحوج ما يكون لبنان إلى ما يعزز وحدته ويحصن وفاقه وعيشه المشترك، وأحوج ما يكون المسيحيون إلى من يضع حداً للخلافات والانقسامات التي طال أمدها من دون طائل. وإذا كان المكتوب يقرأ من عنوانه، فإن بدايات البطريرك الراعي في بكركي جاءت مفعمة بروح الأمل والتفاؤل والمحبة وحملت المفاجأة السارة المتمثلة في لقاء المصالحة والمصارحة بين الاقطاب الموارنة ولاسيما بين "المردة" و"القوات اللبنانية" التي كان يشكل وصمة عار في تاريخ المسيحيين، هذا اللقاء الذي أشاع أجواء ارتياح وانتعاش عند المسيحيين وأعطى الدليل الاول إلى ان ما كان صعباً ومتعذراً من قبل صار ممكناً ومتاحاً اليوم…
لقاء بكركي ليس عابراً ولا معزولاً في المكان والزمان ، وانما يؤسس لمرحلة جديدة وستكون له تتمة ومتابعة. وعندما يعلن البطريرك الراعي ان لقاء ثانياً سيعقد الشهر المقبل ويخصص لبحث مسألة الحضور المسيحي في وظائف الدولة ومؤسساتها، انما يعلن ان لقاء القيادات المارونية بات مؤسسة وطنية-سياسية تلتقي تحت رعاية بكركي واطاراً جامعاً ودائماً للتداول والتشاور في كل ما يتعلق بوجود المسيحيين ومصالحهم وحقوقهم وأمنهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فهذا اللقاء ليس جبهة سياسية ولن يكون، والبطريرك الراعي لا يشتغل باليوميات والتفاصيل السياسية وانما يشتغل في المبادىء والثوابت الوطنية ويرقى في جهوده ورسالته إلى تطلعات المسيحيين وهواجسهم وآمالهم والآمهم، ويلازمه الهم الوجودي والمصيري للمسيحيين… ولذلك فإنه عمل على عزل لقاء الاقطاب ومن أول الطريق عن المؤثرات السلبية من تجاذبات وصراع ومصالح ذاتية، وحرص على ان ينأى به عن الانقسامات والاصطفافات السياسية الحادة ليضعه حصراُ في خدمة المصالح المسيحية العليا ، منطلقاً في البحث عما يجمع ويقرّب ومتجاهلاً أو متجاوزاً ما يفرّق ويباعد.
ومن اللقاء الاول، تبين ان ما يجمع بين القيادات المسيحية هو اكثر بكثير مما يفرّق بينهم… واذا كان ما يفرّق بين البعض له صلة بشكل أو بآخر بخلافات شخصية وصراعات على السلطة والنفوذ والزعامة، فإن ما يجمع له صلة بمسائل جوهرية وأساسية، مسائل الوجود والدور والأمن والحرية والديمقراطية… وثمة لائحة طويلة من الملفات الساخنة والقضايا الملحة التي "تجمع" وتستوجب إعادة ترتيب الأجندة والأولويات عند القيادات والقوى السياسية والتي تتطلب سلسلة من اللقاءات وتشكل مادة خصبة وغنية لنقاش معمق وحوار جدي وهادف … ومن عناوين وبنود هذه اللائحة:
1- رئاسة الجمهورية التي تمثل الموقع الأول والمتقدم للمسيحيين في الحكم والدولة ، يجب ان تلقى من جانبهم كل دعم والتفاف لأنهم بها يقوون وهي بوحدتهم تقوى . وما يجب السعي اليه هو تعزيز دور وصلاحيات رئاسة الجمهورية ، ليس من باب استعادة صلاحيات وسلطات والعودة إلى الوراء ، وانما من باب تصحيح وضع غير سليم وخلل كامن أكدته تجارب ووقائع السنوات الماضية وما حفلت به من ارتجاجات وأزمات دستورية وسياسية . وكل ذلك بسبب العطب الذي أصاب دور رئيس الجمهورية وحيث لم تعد مسؤولياته الكبيرة متناسبة مع الصلاحيات المحدودة التي أبقاها له دستور الطائف مما جعله غير قادر على حسم الامور الخلافية بين الاطراف السياسية في البلاد…
2- حضور المسيحيين ووجودهم في مؤسسات الدولة وإداراتها ووظائفها الأولى ومراكزها الأساسية ، أو ما يمكن إدراجه تجت بند " المشاركة المسيحية في مشروع الدولة " التي يجب ان تكون مشاركة فاعلة ومؤثرة وبعيدة كل البعد عن مشاعر الاحباط والخيبة والانكفاء التي لازمت المسيحيين في سنوات ما بعد الطائف ، فكانت النتيجة خللاً متمادياً في التوازن الوطني المبني على توازنات طائفية دقيقة … وتقع على المسيحيين أولاً مسؤولية كسر هذا الواقع وتصحيح الخلل بالاقبال على " الدولة " والانخراط في مؤسساتها، لا سيما المؤسسات والادارات الرسمية والعسكرية والامنية والحد من حالة الاختلال الفاضح في إدارات ومجالس معينة…
3- الانتشار المسيحي في الداخل اللبناني على المستويين الجغرافي والديمغرافي، وحيث يجب على المسيحيين الحفاظ على انتشار يغطي كل المناطق وخصوصاً مناطق الاختلاط والأطراف والأرياف، فلا ينحصر الاهتمام بالمركز المسيحي المحدود والمدن الكبرى، وانما يصار إلى وضع خطط انمائية واقتصادية واجتماعية للحد من النزوح إلى المدن وعدم الوصول إلى قرى فارغة ومهجورة. كما للحد من الهجرة التي تتوالى موجات وفصولاً إلى الخارج ولأسباب اقتصادية بالدرجة الاولى ولعدم الوصول إلى بلد فارغ من طاقاته وكفاءاته الشبابية والعلمية.
4- الانتشار اللبناني المسيحي في العالم الذي بات يفوق في حجمه وطاقته مسيحيي الداخل وبدرجات… لقد آن الاوان للاهتمام بهذه الثروة الوطنية المترامية الأطراف بأن يصار إلى استعادة الجنسية اللبنانية لمستحقيها وتشجيعهم على ذلك بعدما يكون ملف التجنيس في الداخل قد اقفل على قاعدة استرداد الجنسية اللبنانية من غير مستحقيها. كما يجب إشعار اللبنانيين المغتربين بارتباطهم بوطنهم الأم وان لهم فيه حقوق وليس واجبات تجاهه فقط. وأول هذه الحقوق حق الاقتراع والمشاركة في صنع مؤسساته وفي اختيار ممثليه وحكامه…
5- مسالة إلغاء الطائفية السياسية أو ما بات البعض يسميه "اسقاط النظام الطائفي" تيمناً بالثورات والتحركات في العالم العربي… وهذه المسألة دقيقة ومعقدة في بلد قائم على توازنات طائفية دقيقة وعلى نظام يحفظ التوازنات ويشكل ضمانة وحماية لمختلف الطوائف والمجموعات. واذا سلمنا جدلاً ان الطائفية هي في أساس علل ونواقص كثيرة من ضعف الولاء الوطني إلى تفشي الفساد إلى تقديم المصالح الخاصة على العامة، وجب التفريق بين الطائفية والطوائف التي هي مصدر غنى وتنوع وميزة لبنان وفرادته في هذه المنطقة، كما يجب مقاربة موضوع إلغاء الطائفية السياسية بمنهجية وطرق موضوعية وعملية ومسؤولة فلا تكون سبيلاً إلى هيمنة طائفة أو إلى ديمقراطية عددية في مجتمع تعددي، وانما تكون مقرونة بالتحول إلى العلمنة الكاملة والدولة المدنية…
6- قانون الانتخابات الذي هو في أساس الاصلاح السياسي وتصحيح الخلل المشكو منه على صعيد التمثيل والمشاركة. فقد آن الاوان لوضع قانون انتخابات ثابت ونهائي، يؤمن التمثيل الشعبي الصحيح ويحفظ التوازنات الطائفية والوطنية، ويتيح لكل مكونات الوطن وخصوصاً للمسيحيين اختيار ممثليهم ونوابهم، فلا يكون النواب المسيحيون خاضعين انتخابياً لأصوات المسلمين ولا يكونون بعد انتخابهم مهمشين أو تابعين لرئيس هذه الكتلة او تلك من الطوائف الاخرى…
7- اللامركزية الادارية الموسعة الواردة في اتفاق الطائف والتي هي الطريق الاسرع والأقصر إلى الانماء المناطقي المتوازن… النظام اللامركزي يوفر على المواطنين الوقت والجهد ويساهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والانمائية، اذ لا يعقل ان تكون المناطق المسيحية المصدر الأول لتغذية الدولة ومواردها وخزينتها فيما تتلقى الكم الاصغر من المشاريع والامتيازات…
8- موضوع بيع الاراضي وتملك الاجانب… وهذا الملف الدقيق الذي له صلة بحرية الافراد والسوق العقارية وحركة العرض والطلب لا يقارب بسياسة الموانع وحظر بيع الاراضي العائدة لمسيحيين إلى غير مسيحيين أو إلى أجانب، وانما يقارب بسياسة الحوافز التي تدفع المسيحيين إلى عدم التفرط بأرضهم ولا إلى هجرتها، اضافة إلى قوانين وتشريعات تحدد سقفاً لنسبة تملك الاجانب وتضع قيوداً وتحد من حالة الفلتان والاستباحة…
9- الموضوع الاجتماعي الذي يفرض نفسه على الكنيسة بقوة وإلحاح وتحتاج الكنيسة فيه إلى مساهمات المجتمع المدني والمقتدرين من اصحاب المال والرساميل… يجب الالتفات إلى الانسان في مجتمعنا وتأمين حياة حرة كريمة ولائقة للناس ومساعدتهم في تأمين حاجاتهم الاساسية من مأكل ومسكن واستشفاء وتقاعد وفرص عمل…
10- "التوطين" الذي ما زالت مخاطره ماثلة واقعياً خصوصاً مع اعادة طرح خطط أميركية واسرائيلية للسلام ليس فيها حق العودة للاجئين الفلسطينيين… واذا كان هناك اجماع وطني على رفض التوطين وجرى تكريسه في مقدمة الدستور، فإن هذا أمر جيد ولكنه غير كاف اذا لم يتم التصدي لخطر التوطين بطرق عملية وواقعية وانطلاقاً من ان لبنان لا قدرة له على تحمل أعباء التوطين وأوزاره، ان بسبب قدراته الاقتصادية ومساحته المحدودة أو بسبب توازناته الطائفية الدقيقة…
هذا غيض من فيض مما يقض مضاجع المسيحيين و " يهجسون" به ويشكل مصدر قلق لديهم، وما يمكن ان يشكل مادة حوار ونقاش على طاولة بكركي، حوار يكون مسؤولاً وجدياً وهادفاً في مستوى المسؤولية التاريخية والتحديات الراهنة، تحت رعاية وادارة البطريرك الراعي وبروحية "الشركة والمحبة"…