#adsense

منع الفتنة في عكار أولوية وضرورة

حجم الخط

منع الفتنة في عكار أولوية وضرورة

ما كادت مدينة طرابلس تنعم بهدوء أمني حذر، لكن بمفاعيل اقتصادية وحياتية مدمرة، وتنفض عن أحياء باب التبانة والقبة آثار جولات العنف والترهيب التي لا تزال موضع تساؤل كبير نظراً للقدرات القتالية والتدريبية ونوعية الأسلحة التي استعملت في الاعتداء على مدنيي هذه الأحياء وغيرها؛ حتى انشغل المراقبون بموجة شائعات تحريضية وذات مضمون طائفي تجتاح منطقة عكار بشكل مدروس وتنذر بانفجار خطير إذا لم تتمّ معالجتها، خصوصاً أنه جرى التمهيد لهذه الحملة بقصف سياسي غير بعيد في مضمونه التحريضي عما ذكر.

لكن وفي ما يتخطى القراءة السياسية لما يحصل، فإن السؤال الرئيسي هو ما الذي يجعل منطقة مسالمة كعكار، لم تعرف التوترات الأمنية إلا في حقبة قصيرة في بدايات الحرب الأهلية في العام 1976 مقارنة بالمناطق اللبنانية الأخرى، تغير في أولوياتها، وتنجر وراء موجة شائعات وتعيش حالات من الريبة وعدم الاطمئنان، لا بل اللجوء الى ما يفترضه الناس سذاجة، إجراءات حيطة من تسلح وحراسات ذاتية وتبادل تهم؟

الواقع أن منطقة عكار، وعلى خلفية أحداث بيروت مطلع شهر أيار الفائت، وموجة الاضطرابات المتنقلة في المناطق، تشهد سلسلة تحركات ومواقف لقيادات دينية وسياسية تصب في خانة العمل على تحصين المجتمع من أي انزلاق نحو الفتنة وتأكيد رفض الإنجرار الى أي مشروع مشبوه يُراد جرّ هذه المنطقة إليه، لكن ذلك لا يلغي ضرورة الإجراءات الاستباقية والوقائية التي يفترض بالأجهزة المختصة من جيش وقوى أمن اتخاذها لحماية السلم والاستقرار، من دون أن يقلل من دور المجتمع الأهلي في وأد الفتنة وقطع الطريق على العابثين بأمن الناس وحياتهم، ورفض استخدام السلاح تحت أي ظرف، والتشديد على مرجعية الدولة سبيلاً لحسم النزاعات وضمان الاستقرار، ذلك أن ثمة "حيثيات" عديدة تجعل من كل ما ذكر أولوية وضرورة وواجباً أخلاقياً ووطنياً ومساراً منطقياً للأمور.

القواسم المشتركة

من نافل القول إن عكار، تلك البلاد المنسية والمهملة في مجاهل الجمهورية، شكلت عنواناً بارزاً للحرمان على توالي العقود، وعاشت واقعاً إشكالياً يجمع ما بين غنى الموارد الطبيعية والإمكانات البشرية المهمة من جهة، في مقابل الإهمال الرسمي وغياب التنمية من جهة ثانية. هذا الواقع مثّل ولا يزال القاسم المشترك الأبرز لعكار التي تعكس في بعض ميزاتها صورة مصغرة عن لبنان بتنوعها الطائفي والديني والثقافي وبموقعها الذي يتداخل فيه السهل بالجبل.

ولعكار، ناساً ونواحٍ وطوائف، مع الإهمال الرسمي الذي رعته سلطة الوصاية السورية قبل العام 2005 قصة طويلة، إذ إن مشكلتها الأساسية هي التهميش المركب: الاقتصادي والاجتماعي، إضافة الى الفقر المتراكم وغياب التنمية. وقد كان من الممكن التعامل مع كل ذلك بسياسات تنموية فاعلة لو لم يكن التهميش على أكثر من مستوى هو السياسة التي اتبعتها سلطة الوصاية في تلك المرحلة.. سياسةٌ عملت الى جانب الإبقاء على هذا التهميش على رعاية التناقضات والإفادة منها.

فغياب التنمية أورث تفاوتاً في الشعور بالانتماء الوطني وانعكس صورة نمطية تحصر فكرة الدولة بشقها الأمني، أي "الدرك" لا غير، وما عدا ذلك فإنها غير حاضرة بخدماتها ومؤسساتها التي تشعر المواطنين بلوازم مواطنيتهم. لكن في المقابل لطالما وجد العكاري في "وظيفة الدولة" بما هي الخدمة في الجيش والمؤسسات الأمنية وقطاع التعليم صمام أمان اجتماعي يبقيه على "اتصال" مع الرعاية الرسمية ويبقي مفهوم الدولة "حاضراً" في وجدانه.

على أن الأهم من كل ما سبق هو أن منطقة عكار ظلّت رغم كل التحولات التي مرّ بها المجتمع اللبناني، منطقة مسالمة، هادئة ومختلطة، ساهم تكوينها الطائفي والتعددي في إغناء تجربة عيشها الواحد، ولو كان مُرّاً، ونسج علاقات اجتماعية راسخة تخطّت كل الاهتزازات والانشقاقات التي لحقت بمناطق أخرى، وهو الأمر الذي يحتاج الى خطوة تالية يفيد من هذا الواقع ويضيف اليه تجربة رائدة في التنمية والعمل المسؤول.

الأولويات المشتركة

صحيح أن التحديات التي تواجه لبنان، دولة وصيغة ومؤسسات، كبيرة، لكن الصحيح أيضاً أن التجربة الغنية للمجتمع في عكار القائمة على الإلفة والتعاون والعيش الواحد، بل وتقاسم مآسي الحرمان معاً، تجعل أولوية المرحلة في مكان آخر وليس في تبادل حملات التحريض المذهبي ورمي بذور الفتنة. وهي أولويات يفترض أن يتنادى العقلاء الى رعايتها وصونها وتأكيدها.

إن الأولوية التي تفرض نفسها كتحدٍ على المجتمع العكاري، قيادات دينية وسياسية وأهلية ومدنية، هي تلك الحقائق التي تعكسها الأرقام وإحصاءات مراصد هيئات التنمية البشرية.

ففي عكار التي يتشارك سكانها الـ250 ألفاً مساحة 9 في المئة من مساحة الوطن، ويتوزعون على 216 قرية ومثل هذا الرقم تجمعات سكنية مستحدثة، لا يوجد سوى 96 بلدية تعاني نقصاً متزايداً في الإمكانات والخبرات التنموية والخدماتية والعناصر المدربة.

وفي عكار، مثلاً لا حصراً، تشير تقارير التنمية البشرية الى نسبة أمية تلامس حدود الـ25 في المئة (المعدل العام في لبنان في العام 2007 هو 11 في المئة)، إذ أن هناك 136 مدرسة رسمية و12 ثانوية فقط وقرابة 66 مدرسة خاصة تقدم العلم لآلاف الطلاب ممن هم دون المستوى الجامعي، ما يعكس تفاوتاً بين الحاجة والمتاح… الى مؤشرات مماثلة في القطاعات الصحية والاجتماعية والبيئية والبنى التحتية والطرقات وغيرها.

كل ذلك هو قواسم مشتركة تفرض نفسها على المجتمع العكاري بكل تلاوينه وفاعلياته، كأولوية تستحق السعي الجاد والعمل الدؤوب للارتقاء به على أساس من الوعي المشترك بأن الضمانة الوحيدة للجميع ليست في السلاح والاحتراب وصناعة الجدران، بل في شراكة مقارعة التخلّف والحرمان والبطالة تحت عمل سياسي يضمن إشعار الناس بدفء مواطنيتهم وعراقة انتمائهم الى هذا الوطن.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل