بعد الأول من كانون الثاني يصبح التعديل الدستوري مستحيلاً
وبعد “التمييع” يصبح السؤال عن أهداف قوى 8 آذار مشروعاً
وبعد “التمييع” يصبح السؤال عن أهداف قوى 8 آذار مشروعاً
مخاوف من تفخيخ الطريق بين اليرزة وبعبدا
فارس خشّان
فارس خشّان
على الرغم من “موجات التفاؤل” التي تعلو حينا وتنخفض أحيانا، تعتمر في أعماق كثير من المراقبين مخاوف حقيقية على مصير الاستحقاق الرئاسي.
هذه المخاوف قد لا تكون مبررة، إذا ما قورنت بالمعلومات التي يتم تشييعها، من هنا وهناك، عن مواقف “ثابتة” اتخذتها قوى إقليمية لمصلحة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، مما يسمح، تاليا، بتفسير السلوكيات “المترددة” للقوى المحلية المرتبطة بهذه القوى الإقليمية، على أساس “حلحلة العقدة العونية”.
ولكن في المقابل، فإن هذه المخاوف تجد بذورها العميقة، بمجرد أن يعيد المراقبون قراءة الأهداف التي يضعها الفريق المسؤول حاليا عن تعطيل مسيرة إملاء الشغور الحاصل في القصر الجمهوري في بعبدا، وسلوكية القوى الإقليمية المرتبط بها، وإجراء مقارنة بين هذه الأهداف وبين معاني تسلم العماد سليمان لمقاليد الرئاسة في لبنان.
كيف يبرر “الخائفون” أنفسهم؟
يقول هؤلاء إن خروج “حزب الله” من طاولة الحوار الوطني الى عملية “الوعد الصادق”، وهي شرارة العدوان الإسرائيلي الأخير، له أهداف إقليمية عدة ولكن كان بأفق داخلي مهم، وهو الاستيلاء على السلطة في لبنان، على اعتبار أن هذا الحزب الغارق في طائفيته، يعتبر أن الوصاية السورية كانت قناعا لإدارته شؤون لبنان الكبرى، ولكن “ثورة الأرز” التي حررت البلاد من الوصاية “انتزعت” السلطة منه لتجعل منه فريقا أساسيا، وليس حاسما في معادلة صناعة القرار في لبنان، فقرر إعادة ذاته الى منصة القرار الحاسم من خلال العودة الى مسرح “التحرير”.
وبالفعل، ما ان انتهت حرب تموز التدميرية حتى كسّر “حزب الله” طاولة الحوار الوطني وطالب بالسلطة كاملة، فرئيس الجمهورية السابق اميل لحود “كان له”، ورئاسة مجلس النواب هي “من لدنه” وبات لزاما عليه ان يمسك بصلاحيات رئيس الحكومة من خلال إمساكه بـ”الثلث المعطل” في مجلس الوزراء، وعندما عجز عن أخذ ما يريده في مجلس الوزراء، ذهب الى التعطيل من خلال احتلال وسط بيروت ومحاولة شل الحكومة.
وفي اعتقاد هؤلاء المراقبين أن “حزب الله” لا يزال في الاول من كانون الاول 2006، بدليل رفضه البحث في تفكيك مخيم وسط بيروت، على الرغم من كل المناشدات.
وهذا يعني أن “حزب الله” لا يزال مصرا على الإمساك بالقرار الوطني اللبناني، الأمر الذي يطرح سؤالا كبيرا على حقيقة قبوله بالعماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية.
أما بالنسبة الى النظام السوري، فعلى الرغم من كل التسريبات التي يجري تمريرها عن موافقة دمشق على ترئيس العماد سليمان، فإن التجربة خلال السنوات الأخيرة الماضية أظهرت أن “لسان” الرئيس السوري بشار الأسد في مكان و”اعماله” في مكان آخر، أي ان الأسد يعد بما لا يفي، ويتصرف بما لا يتكلم، وهذا ما سبق وتلمسه قادة عرب كثر، الأمر الذي يفسر حالة “القطيعة” السائدة بين دمشق وبين بعض العواصم العربية الفاعلة.
ويذهب البعض الى أبعد من ذلك، فيعتبرون أن الأسد، على الرغم من الموافقة على إدخاله الى معادلة صنع القرار الرئاسي في لبنان، لا يزال يواجه “عقدة الثمن”، بحيث يجد كثيرون ان الأسد لا يزال يقف خلف بوابتين ممنوعتين عليه، وهما العودة المؤثرة الى لبنان والقضاء على المحكمة الدولية.
وهذا يعني أن الأسد الذي يحاول أن يشرع أبواب دمشق مجددا على المجتمع الدولي “بلسانه المعسول” يحاول من خلال “أعماله” أن يستدرج تسليمه مفتاح البابين “الممنوعين”.. حتى الساعة.
وفي هذا السياق، يمكن السؤال جديا عما إذا كان العماد سليمان هو البديل الصحيح لمرشح الأسد الحقيقي في لبنان، أي الفراغ.
وبالنسبة إلى إيران، فهي دائما نظرت الى “حزب الله”، الذي عملت على تأسيسه وتمويله وتسليحه وتدريبه، من منظار أنه أحد ألوية حرسها الثوري في لبنان، وتاليا فهي تحتاج الى استمرار فاعلية دوره لأنه أصبح في ضوء “شروط” الموافقة على ذهاب دمشق الى “مسار أنابوليس” إطلالتها الإستراتيجية “الوحيدة” على الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي له آذان كثيرة في الشارع العربي.
وعلى هذا الأساس، فإيران لن تضغط على الحزب ليخسر استراتيجياً في لبنان، مهما كانت الأسباب، بل هي بعد موقف علي لاريجاني “المستقيل من أهم موقع إيراني” ولو كان يحتفظ بلقب إستشاري للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، حرّرت ملفاتها من “عقدة لبنان” وأطلقت العنان لـ”حزب الله” حتى يتحرك وفق ما يناسبه “شرط استمرار فاعليته” بالسيطرة على قرار من شأنه إزالة “المعوقات التي أوجدها القرار 1701”.
أما العماد ميشال عون، فمعروف ان الرجل يريد الرئاسة له، إن كان مستحيلا اليوم فبالتأكيد بعد سنة وسبعة أشهر على الأكثر، وهذا يعني أنه لن يسمح بتمرير رئاسة العماد سليمان كما هي مطروحة عليه، وجل ما يمكن ان يوافق عليه هو “توصيل سليمان ضعيفا الى القصر الجمهوري من أجل إجباره على الانسحاب لمصلحة عون حين تنضج الظروف”.
وخلافا لما يفكر فيه كثيرون، فإن “حزب الله” يستحيل ان يتحرر من عون، لأنه حليفه الوطني الوحيد، وتاليا العمود الفقري لتمكينه من السيطرة على مقاليد القرار في لبنان، فـ”حزب الله” من دون عون، هو قوة لبنانية مؤثرة ولكن عادية، ولكنه مع عون هو قوة إقليمية مسيطرة على القرار اللبناني.
كما أن النظام السوري لا يستطيع في هذه المرحلة ان يتخلى عن دور عون لأنه في العقل الأسدي هو “عامل تخريبي”، وتاليا فإن التخلي عنه يعني ان سوريا تخلت عن سلوكية تخريب لبنان، الامر الذي لا تتوافر أدلة على حصوله.
في مقابل هذا الاصطفاف، فإن تاريخ العماد عون يعطي طمأنينة للقوى التي تطمح الى رؤية لبنان وطنا سيدا ومستقلا على علاقة سوية مع المجتمع الدولي وممتازة مع الدول العربية وعلى قطيعة مع الكيان الإسرائيلي، ولكنه في المقابل لا يمكن ان يُريح القوى التي تريد أن يكون استقرار لبنان رهينة للمساومة على رقعة الشِطْرنج الدولية.
وفي هذا السياق، ثمة من يرى في العماد سليمان “أنموذجا” عسكريا للرئيس الشهيد رينيه معوض، الامر الذي يثير الحساسية السورية والإيرانية ويجعلها تتكامل مع الحساسية العونية ـ الحزب اللوية.
فرينيه معوض لم يكن خيارا شعبيا لبنانيا، بقدر ما كان خيار القوى التي طرحت اليوم ترشيح العماد سليمان وحازت دعم المجتمع الدولي، الأمر الذي جعله مفروضا على دمشق التي يبدو من كل المؤشرات، بعد رفضه ان يكون خاتما في أصبعها، أنها أقدمت على التخلص منه باغتياله.
وفي المسار الحالي لانتخاب العماد سليمان ثمة من يحاول ان يتخلص بقوة التمييع من هذا الرئيس المحتمل، تارة يتم طرحه رئيسا عل أساس مخالفة دستورية وتارة أخرى يتم اقتراح إرجاء انتخابه لأسابيع، بحيث يطل الاول من كانون الثاني فينقضي العقد العادي لمجلس النواب ويرفض الرئيس نبيه بري أي مرسوم تصدره الحكومة لفتح دورة استثنائية، مما يجعل تعديل المادة 49 من الدستور “سابع المستحيلات”، فيُصفى سليمان “الرئيس المحتمل” وتبدأ الولاية الراسخة “للفراغ”.
هل هذه المخاوف في مكانها؟
لا يؤكدها هذا أو ينفيها ذاك، بل المطلوب أن يتم أخذها في الاعتبار لمنعها من الوصول الى مراميها التخريبية