كشف خبير إسرائيلي متخصص بالملفين السوري واللبناني، عن تغاضي الدولة العبرية عن تجاوز الدبابات السورية خط الهدنة في درعا وغيرها من المناطق، لضرب المتظاهرين المعارضين للنظام.
وقال البروفيسور إيال ويسر، الخبير والمستشار واستاذ تاريخ الشرق الأوسط المختص بالتاريخ المعاصر لسورية ولبنان لـ"الراي": "ان هناك لقاء مصالح واضحا بين الرئيس السوري بشار الاسد ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في اهمية بقاء الوضع القائم، اي، لا سلام لانه غير متوافر الآن، ولا حرب على الجبهة السورية – الإسرائيلية".
واضاف ان "المصلحة الإسرائيلية في بقاء نظام الاسد، تعود لاسباب عدة، اهمها ان الآتي مجهول، والمعارضة لا رأس لها ولا زعامة سورية تنافس الاسد".
بدأ ويسر، حديثه بمرح وباسلوب ساخر، قائلا: "كل الأمور طبيعية في سورية ولا توجد مشاكل". ثم انتقل فجأة إلى الجدية، واضاف "ان ما يجري هناك شيء مدهش جداً… لقد كسر السوريون حاجز الخوف، وانطلقوا إلى الشوارع يريدون حرية وديموقراطية واصلاحات حقيقية وحياة كريمة".
وذكر ان درعا "كانت الشرارة التي انطلقت منها موجة الاحتجاجات الشعبية، وقد خرج من هذه المدينة الثائرة، زعماء بعثيون، بينهم فاروق الشرع نائب الرئيس، ونائب وزير الخارجية فيصل مقداد. وكذلك (اندلعت) التظاهرات في الرستن قرب حمص، ومنها عائلة طلاس ومصطفى طلاس (وزير الدفاع السابق)، الذي نشر كتاب – سورية الجغرافية – الذي وطد العلاقات ما بين حزب البعث والحزب القومي السوري (برئاسة) انطون سعادة".
وتابع ويسر بوتيرة متواصله هادئة، ان "مصدر قوة حزب البعث الحاكم، يكمن في المناطق الريفية، ريف دمشق، درعا والقرى المحيطة. وهذه القوة مزيج من العلويين والسنة، وهم مؤيدون للحزب ونظام الحكم".
وايام الثورة الأولى ضد حافظ الاسد "الهبة الإسلامية"، كانت في حمص وحماة، وكان الثائرون يحتجون على حكم زعيم علوي هو حافظ الأسد، لشعب غالبيته من السنة، وأفتوا بعدم جواز حكم حاكم غير مسلم وغير سني للسنة، وفق احكام الشريعة الإسلامية، فكان رد الاسد قصفهم بالصواريخ عام 1982 ومقتل ما لا يقل عن 30 الفا من سكان المدينتين".
ويعود ويسر إلى الحديث عن الارياف، فيقول "كان الريفيون يعتبرون انفسهم جزءاً لا يتجزأ من نظام الحكم وبقاؤه في مصلحتهم. هذا في السابق، اما اليوم فتحول موقفهم واصبحوا مناوئين للنظام، وثبت ان لا جذور شعبية له، وبعد قمع التظاهرات الاحتجاجية بوحشية، تآكلت شرعية النظام والحزب، وفقدا مصدر قوتهما في الريف"، مشيراً إلى ان "الشعب السوري بغالبيته يعتبر النظام مستبداً ممعناً في الطغيان". واوضح ان حزب البعث بقيادة بشار الاسد "اصبح حزبا بيروقراطيا للمقربين ولذوي المصالح الشخصية، (ويضم) مليوني عضو من البعثيين العلويين المنتفعين".
وقال ان الوضع السوري "متدهور اقتصادياً، ويعاني المزارعون الذين يشكلون نسبة 40 في المئة من السكان من الجفاف بين الحين والآخر، وقد عانوا من شح المياه والأمطار خمس سنوات متتالية، وهاجر ملايين القرويين من حوران إلى المدن بسبب الجفاف".
ولفت البروفيسور ويسر، إلى ان "الطبقة الوسطى من سكان دمشق لم تشارك في التظاهرات، في حين خرجت احتجاجات ومسيرات بقوة من الأحياء الفقيرة المحيطة والقريبة من العاصمة".
وتساءل: "ماذا سيحدث إذا انهار نظام الحكم العلوي البعثي؟"، ويجيب "هناك سيناريوان، الاول، ما حدث في مصر، أي تكليف الجيش إدارة الدولة حتى تتهيأ الظروف لانتخابات برلمانية ورئاسية. والثاني، انهيار بنيان الدولة، كما حصل في العراق، وبالتالي حرب طائفية، خصوصا ان التركيبة الطائفية مخيفة وتنذر باشتعال مثل هذه الحرب، ومن الصعب على النظام السوري ان يصمد طويلا امام هذا الاعصار الثوري الشعبي. فالمنطق وتاريخ الشرق الاوسط يحتمان مواصلة المسيرة حتى يصل النظام إلى مرحلة الانهيار".
وعن نسب التركيبة الطائفية في سورية، قال انه منذ احصاءات العام 1963 "كانت كما يأتي: الاكراد 10 في المئة، الدروز 5 في المئة، علويون 12 في المئة، مسيحيون 13 في المئة، والبقية من السنة. ومنذ ذلك الوقت لا توجد تقارير رسمية، لكن المؤكد ان السنة يشكلون اكثر من 60 في المئة من الشعب السوري".
وقال ان "النظام السوري يلجأ إلى التخويف من سقوط الحكم بايدي الاخوان المسلمين، كما ردد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، لكن هذا غير صحيح. كما ان بشار الاسد يحذر من اندلاع حرب اهلية اذا انهار حكمه في ظل توتر وأجواء مشحونة".
وأوضح ان "المدن الساحلية غالبيتها سنية، والاحتجاجات فيها كانت بالغة الشدة. وتضم هذه المدن، مهاجرين علويين انتقلوا من الجبل، ولهم احياء خاصة. وقد وقعت اشتباكات ومواجهات بين السنة والعلويين في هذه المدن، مثل بانياس واللاذقية، لكن سرعان ما تم تطويقها". واكد ان "الجانبين يحاولان تفادي وقوع مثل هذه المواجهات التي لن تصب الا في مصلحة نظام الحكم".
ويرى ان "المعارضة التي لا رأس لها ولا قيادي واضح يشكل بديل للاسد تتجنب الانعكاسات التي قد تنجم عن تدهور الاوضاع وعدم قدرتها على السيطرة وحسم الأمور".
ويقول البروفسور، ان "الرئيس بشار الاسد كوالده، يعتبر نفسه معصوما ويتمتع بالحصانة لانه يحتضن المقاومة، لكن تصدى له كبار المفكرين والمثقفين من الداخل والخارج، امثال الشيخ يوسف القرضاوي"، مؤكدين ان ذلك "ليس على حساب الشعب السوري وانه لا يجوز استخدام دعم المقاومة كذريعة لاستخدام البطش والقمع الوحشي للسوريين وان على الشعب التحرر من هذا النظام الاستبدادي".
ولفت إلى قرب الحدود والجذور السورية – العراقية وانعكاسات الوضع على الساحتين، وعلاقة ذلك بالعلاقات والاوضاع اللبنانية، مؤكداً ان "ما حصل في مصر له سيناريو مختلف عن ذلك الذي يحدث في سورية، والذي هو مستمر في العراق، حيث انهارت الدولة العراقية بالكامل وحلت فتنة وحرب طائفية".
وقال ان "هذا يمثل ويشكل هاجسا وخوفا شديدا في سورية التي عاشت وتعيش بين فتنتين طائفيتين في لبنان، سابقاً، والعراق، الان، خصوصا في اوساط الطبقتين الوسطى والعليا، لذلك هناك تردد في اوساط شريحة واسعة من السنة للانضام إلى الثورة التي تتململ وتتشعب وتزداد قوة وانتشارا في الشارع".
واشار إلى الخوف من انهيار النظام الذي قد يؤدي إلى الفوضى والمجازر والفتنة "ونحن ننتظر ماذا سيحدث يوم الجمعة»، مشيراً إلى ان هناك شرخا يهدد هذا النظام وعلينا ان ننتظر لنرى النتائج".
وعن موقف تركيا عن نظام الاسد، قال ان "انقرة ستؤيد النظام الجديد اذا ما انهار نظام الحكم الحالي، وهي تتعامل مع الاحداث بحذر وبحكمة، الا انها متعاطفة مع التحركات الرامية إلى الاصلاح واحداث تغييرات جوهرية".
واضاف ويسر ان الاسد "بحاجة إلى مساعدات مالية ضخمة، فالنظام يواجه وضعا اقتصاديا بالغ الصعوبة، فقد اضطر إلى رفع الاجور بنسبة 30 في المئة، ويخشى رفع الاسعار، حتى لا تتصاعد الاحتجاجات الشعبية، وهو بحاجة لمساندة من الغرب. واذا فشل في الحصول على دعم مالي من اوروبا او الولايات المتحدة، فقد نواجه بشارا جديدا يتولى تزعم نظام جديد ويحظى بمساندة اميركية – اوروبية بعد عام او عامين".
وأكد ان الرئيس باراك اوباما "يؤيد بقاء بشار الاسد على رأس الحكم، ويدعوه بلطف إلى اجراء اصلاحات جوهرية، ولا يلح عليه ان يتنحى، كما كان يفعل مع حسني مبارك، كما انه لا يوجد حتى الان بديل للرئيس بشار الاسد، سواء اكان من السياسيين او من كبار ضباط الجيش العلويين".
وشدد على ان اسرائيل والولايات المتحدة "مطمئنتان تجاه الاسد، وتأملان في ان يفك تحالفه مع ايران". وقال ان "الدعم الاميركي الخفي لبشار سيتحول إلى دعم علني واسع حال تخليه عن تحالفه مع ايران".
ووصف ويسر، العقوبات الاميركية الاخيرة ضد شخصيات سورية بانها "بسيطة ورمزية، وتعتبر بمثابة ذر الرماد في العيون، لذلك فان المخاوف الاميركية – الاسرائيلية من نظام جديد وزعيم جديد، هي التي تخفف من حدة رد الفعل الاميركي الخجول على ما يجري من قمع".
وكشف عن ان هدف دمشق من استقبال شخصيات يهودية سورية قادمة من الولايات المتحدة واسرائيل، "التقرب من واشنطن وتحسين العلاقات، ما اقنع اميركا (قبل فترة) بتعيين سفير لها في دمشق قبل تفجر موجة الاحتجاجات الشعبية".
واعترف البروفسور ويسر، من ناحية ثانية، بان المشكلة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وليست مع الاسد "فهو لا يريد الحرب معنا، بينما يعتبر نتنياهو السلام، معقدا ويخشاه. والزعيمان تجمعهما مصلحة مشتركة، وهي ابقاء حالة اللاحرب واللاسلام، وهذه الحالة تخدم ايضا نتنياهو الذي يرفض تقديم تنازلات اذا ما حصل تقدم في جهود الوساطة التي تولتها تركيا لتحقيق تسوية سورية – اسرائيلية".
وتابع: "كما ان نتنياهو غير معني بحل سلمي مع الاسد لاسباب داخلية، وهو يخشى على ائتلافه الحكومي من الانهيار، كما ان عدم توقيع معاهدة سلام يخدم الاسد الذي يمكنه التذرع بعدم استطاعته تحقيق اصلاحات جوهرية وديموقراطية لانه ما زال في حالة حرب مع اسرائيل".
وعن وصول دبابات سورية إلى درعا لقمع الاحتجاجات الشعبية السلمية في تلك المدينة القريبة من الجولان، قال ويسر، ان اسرائيل "تغض النظر عن ذلك ولا يشكل ذلك خطرا امنيا عليها". وعن امكانات النظام ومقوماته ومدى قدرته على الصمود، قال: "اؤكد مجددا ان لا بديل للرئيس الاسد لقيادة سورية، والتظاهرات والاحتجاجات والتحركات عجزت تماما عن ايجاد زعيم بديل وعن ايجاد أي قوة حزبية أو سياسية بديلة، والمعارضون حائرون ولا يوجد تأثير لهم غير الاعلامي. اما عبد الحليم خدام ورفعت الاسد، فلا شرعية لهما، وقيادات حزب البعث هي اقوى اسس نظام الاسد، ومن مصلحتها حمايته حتى لا تفقد منافعها ومصالحها الاقتصادية ونفوذها".
ولدى سؤاله عن انسحاب عدد من حزب البعث في بعض المناطق، قال انها "لا تؤثر في قوة حزب البعث الذي يضم مليوني عضو".
وعن السيناريوات التي تستعد لها اسرائيل لمرحلة ما بعد الاسد، قال ان "النقاشات مستمرة عندنا على اعلى المستويات ولا نعلم ماذا سيحصل اذا ما سقط الاسد، لكن اسرائيل لا تزال معه وتريد بقاءه في الحكم، فهذا يخدم مصلحتها ويلبي احتياجاتها الامنية بابقاء جبهة الجولان هادئة، كما اننا لا نتوقع انهيار نظام الاسد قريبا، لكن من يدري ماذا تخبىء لنا الايام والليالي وكيف ستتطور الاوضاع، فالمنطقة اصبحت حبلى بالتطورات المفاجئة".
واستبعد ويسر ان يطلب الاسد دعما من اسرائيل "حيث انها دولة غير محبوبة في المنطقة والشعوب تنظر بريبة إلى كل نظام يسعى للحصول على مساندتها، ولا يوجد ايضا معارض سوري واحد يقبل بمساعدة اسرائيل او يتقدم بطلب مساعدة منها".
وابدى البروفسور شكه في مقدرة كل من طهران و«حزب الله» على تقديم دعم مباشر للنظام السوري "فحزب الله لديه نحو 15 الف مقاتل، وهذه قوة صغيرة نسبيا لا فاعلية لها. اما طهران فانها لا تستطيع ارسال قوات إلى سورية عبر تركيا التي ستقف لها بالمرصاد وتمنعها من ذلك. كما ان الرأي العام التركي ضد نظام الاسد، ولا ننسى ان مسلمي تركيا من السنة ونظام الاسد علوي".
وقال ويسر، من ناحية ثانية، ان "حركة حماس ستضطر، ان عاجلا او اجلا، إلى نقل مقر قيادتها إلى الخرطوم او الدوحة، حتى لا تضطر قيادتها إلى اتخاذ مواقف واطلاق تصريحات تعكر مزاج شعوب ربيع الغضب العربي. حماس حركة سنية وهي في وضع محرج في دمشق، وهي فرع من الاخوان المسلمين المحظور في سورية، ولا تستطيع ان تصمت على قمع الشعب وتؤيد نظام الاسد، وفي حال زاد الضغط عليها ستقرر الرحيل على خسارة شعبها وجمهورها".
وعن شخصية الاسد، رد بانه "يعتبر نفسه الزعيم الاوحد والقائد الاب ووجوب بقائه حاكما إلى الابد، وهو يريد فرض اصلاحات سطحية وليست جوهرية، ولا يريد ان يعارضه احد، ولا يسعى إلى تطبيق نظام ديموقراطي وكل ما يتطلع اليه، تحسين الاحوال المعيشية، واذكر ان صديقا حدثني انه قابل بشار الاسد بعد ان شارك الرئيس السوري في مسيرة شعبية خلال استفتاءات لفترة رئاسية جديدة عام 2007، وكان بشار مسرورا جدا وقال، ان شعبي يحبني".
وعبر ويسر عن اعتقاده بانه اذا انهار نظام الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي "فان ذلك سيسهل ويسرع عملية اسقاط الرئيس بشار الاسد، وكذلك الرئيس اليمني علي عبد الله صالح".
وعن توقعاته، قال: "علينا الانتظار، فموجات ثورات شباب ربيع الغضب العربي متلاحقة، وعلى اسرائيل اتخاذ قرارات ايجابية صحيحة والتجاوب مع هذه التطورات الجديدة والتحركات العربية والفلسطينية نحو السلام، وانا مقتنع تماما بأنه لا توجد دولة عربية واحدة تريد القضاء على دولة اسرائيل، لكن على القيادة الاسرائيلية ان تدرس جيدا حسابات الغد وفق حسابات اليوم؟".