


كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – 1718
يزخر تاريخ لبنان بالحروب والأزمات والنكبات. وهو أصلاً قائم على ميثولوجيا الطائر الذي يحترق ثم ينبعث حيّا من رماده: «طائر الفينيق». غير أن أحداث هذا التاريخ المُقلِق، وإن كانت تتشابه (وفي علم السياسة يعيد التاريخ نفسه فقط عند الشعوب المتخلّفة)، إلا أنه يبقى ما يُميّز بينها تبعاً للحقبات واللاعبين والظروف المحيطة. وهذا ما يحصل في لبنان اليوم: طوابير أمام محطات المحروقات، أدوية غير متوفرة، مستشفيات عاجزة عن استقبال المرضى، إنهيار الليرة مقابل الدولار، فقر وعائلات تنتظر المساعدات العينية… أو تأشيرة دخول لتحزم حقائبها وتترك البلد إلى أي مكان تحت عين الله. مشاهد عرفها اللبنانيون في بدايات الحرب ثم تكررت في أواخر الثمانينات، وها هي اليوم قائمة بكل ذلّها ومآسيها، والبغاء السلطوي الفاحش!
لم يُتَح للبنانيين المجال الكافي بعد لينسوا يوميات الحرب وويلاتها، زمنَ انهيار العملة وإقفال المصانع وهجرتها، وزحمة المغادرين في المطار هرباً من جحيم قاتل وخُلوَّه من الزائرين والسياح. لم ينسوا انهيار المؤسسات والجيش والقضاء وطوابير المصطفّين ذلّاً أمام الأفران ومحطات الوقود، والساعين لهَفاً بين الصيدليات بحثاً عن دواء مفقود. كان ذلك زمن الحرب، وكان الناس يأملون أنه سيأتي يوم تنتهي فيه هذه المأساة ويتحرّرون ويبنون وطناً لأبنائهم بمستوى أحلامهم وبمستوى ما قدّموه من تضحيات.
انتهت الحرب، ودفعوا لبناء السلام ما يوازي ما دفعوه لإنهاء الحرب. كان الأمل كبيراً بغدٍ مضيء وبمستقبلٍ مستقرٍّ واعد. وما خطرَ ببالهم أنهم سيعودون إلى مشاهد الذل ومهاجع اليأس وأبناؤهم معهم، ما خطر ببالهم أنهم سيورثونهم صفَّ انتظارٍ على محطة وبؤسَ صراعٍ لتأمين زيتٍ أو حليب، وحلم هجرةٍ بدل وطنٍ حلم.أبناؤهم أولئك الذين تعبوا هم لكي يقدّموا لهم حياةً أفضل، وما استفاقوا إلا على واقعٍ أكثر مرارة. وما استقرّوا إلا على كمٍّ هائل من التساؤلات: لماذا يُصرُّ تاريخنا الشقي ألّا يغادرنا فيسكن الذكرى؟ لماذا يُصرّ سوء الطّالع هذا أن يزورنا كلما صدّقنا أنّ لنا الحظ في العيش كما سائر المجتمعات الكريمة؟ وما سبب الدوران الذاتي لهذه الحلقات التي ما إن تنتهي حتى تعود محطتها القاتلة من جديد؟
مآسٍ في دوائر التاريخ
ذاقت المناطق اللبنانية على اختلافها ويلات الحرب واجتاحتها المآسي بشراً وحجراً. وهي طَبَعت في ذاكرة اللبنانيين ووجدانهم وأجسادهم علاماتٍ لا تُمّحى وأنماطَ تفاعلٍ وأسلوب حياة. فمثلا أَلِفَ اللبنانيون الإقامة في الملاجئ لفترات طويلة بلا كهرباء ولا ماء، وضبطوا ساعات الخروج لتأمين الطعام والدواء وبعض الحاجيات الضرورية، على وقع اتفاقات وقف إطلاق النار أو استراحة المحاربين. كان اقتناص تلك اللحظة ذهبياً على الرغم من الخطر المرافق لأي انتقال من مكان إلى مكان. فمن يَسلم من انفجار قذيفة قد لا يسلم من الخطف أو من سقوط جدار بناء صدّعه توالي القصف العشوائي.
على الرغم من ذلك قاوم الناس ولم ييأسوا. ثمّة نَفَسٌ مقاوم كان متجذّرا في النفوس، فما هانوا ولا توانوا. وفي فترات المعارك القاسية، لم تسجِّل الهجرة أرقاماً كالتي سُجِّلت في فترات السلام المشحون باليأس. يقول من تبقّى من تجار تلك الحقبة في الأشرفية: «حتى تحت القصف كنا نفتح المحال ونبيع أكثر من اليوم. كان لافتا أن الناس في فترات الأعياد كانوا يُقبلون على شراء حلويات العيد وثياب العيد والزينة وما إلى ذلك. كانوا يأتون بمحاذاة الجدران تحت الشرفات تجنّبا للإصابة بشظية أو رصاصة قناص، لكن والله ما رأيت الخوف مرّة في عيونهم ولا اليأس في قلوبهم. كانوا كتلاً من المعنويات بأشكال ناس تسير على الأرض. كنتَ ترى بسهولة الإيمان في نظراتهم والثقة بالمسؤولين وبالأجهزة الرسمية على رغم انقسامها وتشتتها بسبب الحرب».
ويضيف أحدهم ممن أقفل محلّه بعد انفجار 4 آب: «كنا نتعرّض دائماً للقصف في الأشرفية، وكان عشوائياً لا يوفّر حيّاً من دماره، وكنا نفتح في اليوم التالي ونستقبل الزبائن ونبيع». ويشير إلى مكان في الشارع حيث يقيم قرب حديقة اليسوعية ويقول:»هنا كان يجلس أصحاب المحال وأبناء الحي على كراس صغيرة ويلعبون الطاولة فيما الجبهات مشتعلة. وهذا لأننا كنا نعيش الأمان ولدينا ثقة بأننا محميون. وكان لدينا أمل… أمل أقوى من الصخر لم تهدّه القذائف التي دمّرت البيوت. لم يكن يستغرق ترميم الأبنية وتركيب الزجاج أكثر من يوم أو يومين وتعود الحياة إلى طبيعتها. أما اليوم فمحلّي مقفل ولم يتم ترميمه منذ انفجار المرفأ، ولا من يقصد السوق ولا من يبيع أو يشتري».
وعلّق صديق له كان حاضراً وتوجّه إلي سائلا: «هل تحزن إذا تقدّم إبنك في العمل واشترى منزلا؟ فقلت طبعاً لا. فتابع: أنا في قمّة الحزن منذ أسبوع ساعة أبلغني ولدي الوحيد من أستراليا أنه تمّت ترقيته في العمل واشترى منزلا ويتحضّر للإرتباط بفتاة لبنانية يقيم أهلها هناك». فقلت ولماذا تحزن فيما عليك أن تفرح؟ فتابع: «كان لي أمل بعودته فقدته بعد هذا الخبر وبعد ما يحصل في البلد اليوم فلأي سبب يعود؟ وهل ناضلنا ليعيش ابناؤنا في المهاجر وتسيب أرضنا للغرباء»؟.. يتوقف عن الكلام ولا تتوقف الوجوه العابسة والعيون الحائرة عن التعبير. وما تقوله لا يُكتب ولا يُنتسى!
عَودٌ على بدء
في العام 1990 قيل إن الحرب انتهت وإن السلام آتٍ، فتحضّر الجميع لمرحلة النهوض الموعود بعد ويلاتٍ وخيبات. كانت مرحلة مُكلِفة طبعاً ولم تشبه السلام بشيء. لكنها بالمقارنة مع اليوم كانت نعيماً وعزّا لا يجارى. استمرّ الأمل يصارع الوقت لسنوات،كمن يصارع الموج لبلوغ برّ الأمان. وما وصلنا إلا إلى استعادةٍ لمآسي الماضي العابرة تلك، والتي اعتقدَ اللبنانيون أنها عبرت ولن تعود.
أكمل التاريخ دورته وعاد. عاد بالمحطات نفسها والمشاهد عينها وتلك المظالم التي لم يكد اللبنانيون يمحونها من الذاكرة والنفوس بعد. عادوا لرفد الهجرة بمزيد من الطاقات، عادوا للوقوف طوابير أمام المحطات، وعادوا للملمة أشلاء تعبٍ ضاع في متاهات العبثية، ولانتظار أملٍ موعود، يعبرُ جيلٌ بعد جيل ولا يتحقق.
يشير خبراء في علم سلوكيات المجتمع، إلى أن «ما يحصل في لبنان اليوم نَدُرَ ما حصل مثله في التاريخ. راحت الأيام التي تُمجِّد فيها الضحايا جلاديها مثلما يفعل اللبنانيون. وتخلّصت شعوب كثيرة من استعادة سقطاتها في التاريخ وانطلقت إلى بناء المستقبل… إلا نحن». ويؤكدون أن «ما يواجهه الشعب اللبناني اليوم ليس قدراً ولا فعل قوّة من خارج الكون والزمن، هو بالضبط صنيع ما اختاره اللبنانيون وما أرادوه إما عن كيدٍ وإما عن جهل، وفي الحالين جنوا على أنفسهم وعلى شعبهم وعلى الوطن. أخذتهم وما تزال تأخذ بعضهم شعاراتٌ لم تطبَّق وأكاذيب لا تنتهي تجد في مساحات اللاوعي المنبسطة أمامها حقولا واسعة تنمو فيها وتتجذّر».
إستعادات وعِبَر
لطالما تَتَردّد على مسامعنا اليوم عبارة «رزقالله ع إيام الحرب علقليلة كان في كرامة… كان في مصاري وشغل ودوا». مؤسف أن نصل إلى يوم تصبح فيه أيام القتل والخطف وعيشة الملاجئ أُمنِيَة على ما نحن فيه اليوم. مؤسف أكثر أن نكون بلغنا من الإنحدار والإنهيار ما يجعل زمن الحرب عزّاً مرتجى بالنسبة إلى مجتمعٍ ناضل وضحّى ليحقِّق بناء وطن، فجاء من دمّر الوطن والحلم معاً.
وبالمقارنة مثلا يظهر أن المَشاهد بمعظمها هي مكرّرة بين اليوم والأمس لكن بفارق كبير بين الأسباب. فمثلا انقطاع الدواء الذي يعاني منه اللبنانيون اليوم حصل في فترات الحرب لكن ليس لنقص التمويل والتهريب بقدر ما كان بسبب عدم قدرة شركات التوزيع على نقله إلى الصيدليات تحت القصف. في أحلك الظروف كان الوقود متوفراً وبأسعار مناسبة لمداخيل المواطنين. أما فترة الإنقطاع الكبيرة فكانت بين العام 1988 والعام 1990 خصوصاً عند قصف الحكومة العسكرية برئاسة العماد عون خزانات الدورة. انقطعت الكهرباء لفترات طويلة أيضا بسبب تضرر المعامل أو شبكات النقل من جراء القصف، أما اليوم فمن جراء الصفقات وسوء الإدارة… وعلى رغم الحرب ظل مرفأ بيروت الأول شرقي المتوسط ولم يخسر دوره الرائد هذا إلا بعد تفجيره في العام 2020 حيث كان يفترض أن يحقق نقلة نوعية في التطوير والمنافسة والتفوّق.
في الحرب شُلّت المؤسسات نتيجة القصف وتدمير مراكزها أو مصادرتها، لكن ظلّت الدولة العميقة قائمة وثقافة العمل المؤسساتي موجودة. اليوم شُلّت المؤسسات ولكن بضرب مفهوم عملها وفكرة الدولة، فكان تدميرها أدهى ولو بقيت في الظاهر قائمة ومبانيها مزهوّة. إنهارت الليرة في الماضي وقد تحرك سعر صرفها من3.92ليرات للدولارفي العام 1981 حتى وصل في حزيران 1982 مع الاجتياح الاسرائيلي الى 5 ليرات للدولار. وفي العام 1987في عهد الرئيس أمين الجميّل قفز السعر إلى ما يقارب الـ 550 ليرة للدولار، ثم إلى 880 ليرة في العام 1991، ووصل إلى2880 ليرة في آب 1992. ليعود ويستقر في حزيران 1999 على سعر 1507.5 ليرات للدولار. ويشرح مصرفيون «أننا اليوم نرى مثل هذا التراجع الكبير في قيمة الليرة، مع فارق أنه في زمن الحرب كان جزء من هذا الإنهيار بنيوياً وجزء آخر مفتعلاً، لكن كان البلد مفتوحاً لوفادة الرساميل ولا عقوبات أو حصار عليه. اليوم لا حرب عسكرية، لكن الصعوبات أكبر، فمثلا لا إمكانية لحصول الناس على ودائعهم فيما كانت المصارف زمن الحرب تعمل وتفتح حسابات وتتلقى ودائع، والمعارك دائرة.
صحيح أن الأسباب مختلفة والظروف كذلك، لكن بعض اللاعبين بمصائر الناس ما زالوا أنفسهم، والنتائج الكارثية نفسها. يكفي أنه في ذاك الزمن كانت هناك جهة مسؤولة التفتت إلى قضايا الناس وعالجتها، ورسّخت أمنا عامّاً يعاني اللبنانيون اليوم من غيابه. وقد تكون صرخة مواطن أبلغ ما يمكن التوقف عنده على هذا الصعيد، إذ قال: «بالماضي كان في ثورة بقلوب الناس وكان في ثروة بجيوبن، اليوم بيعتقدو أنو المسؤولين أخدو منهن الثروة، ومش منتبهين أنن أخدو الثورة كمان!!!»
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]