من البقاع إلى الشمال: من يشعل الفتنة؟
وقائع السباق بين التصعيد والتهدئة
تحتاج الأمور إلى وقت لجلاء حقيقتها، فالاشتباكات المسلحة التي وقعت في البقاع وطرابلس تستدعي دقة في تقصّي أسبابها، وحقيقة ما جرى فيها، لا سيما أن الروايات متناقضة والظروف ملتبسة.
ثمة استنتاجات يمكن استخلاصها بشكل أكيد من خلال الوقائع المثبتة، فيما تكمّل الزيارات الميدانية والاتصالات باقي المشهد.
فتنة البقاع
الأكيد في الاشتباكات التي اندلعت في البقاع الأوسط في التاسع من حزيران والسابع عشر منه، أنها شهدت غزارة نيران واسعة، واستعمالاً للقذائف المدفعية، وأن أجواء الاحتقان المذهبي السائد بين السنة والشيعة قد وفّر الأرضية الخصبة لإذكاء نار الفتنة، وإن كانت الأسباب المباشرة لما جرى تبدو فردية. ما أظهرته الاشتباكات بشكل أكيد أيضاً أن "حزب الله" يمتلك مخازن أسلحة ثقيلة في أطراف قريتي سعدنايل وتعلبايا، وفي مرتفعات قريتي تويتي وقمل، وأنه استعمل مدفعية الهاون خلال الاشتباكات، وهو ما تدل عليه آثار القذائف في العديد من بيوت قريتي سعدنايل وتعلبايا.
من جديد أثبتت الاشتباكات أن لا وجود لميليشيا اسمها المستقبل في البقاع، من دون أن يعني ذلك أن الأهالي المؤيدين في غالبيتهم "تيار المستقبل" لم يستعملوا السلاح لـ"الدفاع عن النفس"، ومع أن الفارق العددي هو لصالح هؤلاء، إلا أن غياب التأطير العسكري جعلهم في موقف عسكري أضعف، الأمر الذي استدعى وصول "نجدات" من مواطنين بقاعيين من ذلك الصنف الذي يقاتل حتى "الشهادة"، ولاسيما من بلدة مجدل عنجر البقاعية.
ما تؤكده فعاليات البقاع الأوسط، بما فيها تلك المؤيدة لـ"حزب الله"، أن أطرافاً ثالثة، وذات مصلحة، دخلت غير مرة، على خط تأجيج الصراع في البقاع. وإذ تمتنع الفعاليات نفسها عن تسمية هؤلاء علناً، فإن العديد من المواطنين في البقاع الأوسط، يسمّون أشخاصاً بعينهم ممن كانت لهم ارتباطات بالمخابرات السورية سابقاً، وممن هو قريب حالياً من النائب السابق عبد الرحيم مراد.
في وقت لاحق، وعلى خلفية محاولة الجيش اللبناني فرض الهدوء على المنطقة، جرت عمليات اعتقال لبعض مطلقي النار، وكان واضحاً أنها تطال فريقاً دون آخر، ما ترك استياءً أجج من حدة الخلاف، لكن مديرية المخابرات في الجيش تداركت الأمر، وعملت على تهدئة النفوس، لاسيما بعد صرخات الاحتجاج التي أطلقها المفتي الشيخ خليل الميس، وعلى هذا الأساس انطلقت جلسات المصالحة الأهلية برعاية الجيش، والتي أثمرت تهدئة لا تُخفي جو الحذر السائد.
الفتنة في طرابلس
الأيام التي سبقت فجر الثاني والعشرين من حزيران كانت توحي بقرب اندلاع المواجهة المسلحة في طرابلس. الفتنة هناك أخذت طابعاً سنياً ـ علوياً، وأعادت فتح جراح غائرة منذ سني الحرب الأهلية البغيضة. الاستفزازات المتبادلة قبل الاشتباك الكبير جاءت على خلفية إشاعات سرت في باب التبانة عن تحضيرات عسكرية في جبل محسن، وعن وصول عناصر تابعة لـ"حزب الله" إلى هناك، ترافق ذلك مع إلقاء قنابل يدوية فجر اليوم الذي اندلعت فيه الاشتباكات. وفي المقلب الآخر، سرت إشاعة مفادها أن "ميليشيات السلطة تهاجم بعل محسن"، الأمر الذي دفع الناس باتجاه السلاح، تحت شعار الدفاع عن النفس.
سير المعارك أظهر بالفعل وجود عناصر غريبة عن المنطقة، قيل إنها تابعة لـ"حزب الله"، شاركت في القتال إلى جانب العلويين، الأمر الذي ترك أثراً واضحاً في ميزان القوى، في معركة يـُفترض أنها ليست في صالح الأقلية العلوية في الشمال، غير أن الوقائع الميدانية أظهرت عكس ذلك، إذ ان التقدم كان لصالح العلويين، وغزارة النيران أيضاً، ليس في التبانة فحسب، وإنما في القبة المطلة على بعل محسن أيضاً.
مرة جديدة أظهرت المعارك أن لا وجود لبنية عسكرية تابعة لـ"تيار المستقبل" في واحدة من أكثر المناطق حساسية، الأمر الذي جعل مجموعات إسلامية متعددة تتصدر "جبهة" العناصر "المدافعة عن مناطق السنة"، بالتوازي مع إطلاق بيانات عالية النبرة، من قيادات هذه الجماعات، كُتب في إحداها: "إن لحمنا مرٌ صعب أكله، وإن المقاومة السنية لن تترك أبناءها لقمة سائغة في أفواه دمشق وطهران"، وعُنونت أخرى بعبارة: "إن الجهاد هو السبيل للدفاع عن أهل السنة".
مع تقدم الاشتباكات كان لا بد من فعل شيء ما لوقف استنزاف الساحة السنية عموماً، والطرابلسية خصوصاً. تحرُّك المفتي الشيخ مالك الشعار كان هو المسار الذي آزره الجميع. الإعلان عن وقف إطلاق النار سقط أكثر من مرة، قبل أن ينجح أخيراً مع انتشار الجيش في مناطق الاشتباكات.
بعدما حل الهدوء الحذر على "خطوط التماس المستحدثة"، بات الحديث عن مشاركة عناصر تابعة أو مؤيدة لـ"حزب الله" في المنطقة أمراً يتحدث عنه الجميع، وبعض الأهالي يستشهدون اليوم بالعبارات التي كان يرددها المقاتلون في "الطرف الآخر" أثناء إطلاقهم النار من قبيل "يا مهدي"، و"يا زهراء". وقد أشار مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار إلى وجود "أيادٍ غريبة عن منطقتي بعل محسن والتبانة، هي التي (كانت) تعمل من أجل عدم استقرار البلد وعدم استتباب الأمن"، وذلك خلال الجولة التي قام بها وفد فعاليات طرابلس الروحية والمدنية على كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف أخيراً.
الهدنة في طرابلس لا تزال هشة، والشائعات المتبادلة عمن افتعل المشكلة، وعمن سلّح قبلها وأثناءها، وعمن يسلح اليوم، كثيرة، فيما الفرز والنزوح المتبادل بين السنّة والعلويين مستمر.
الخوف على عكار
توقُّع انتقال الفتنة إلى عكار كان القاسم المشترك بين المحللين المحايدين، وبين السياسيين الذين يتمنون ترويض مناطق خصومهم السياسيين. على هذا الأساس انطلقت مروحة واسعة من الاتصالات بين الفعاليات العكارية لتدارك الفتنة قبل أن تقع، لاسيما أن المنطقة كانت قد شهدت، خلال أحداث أيار الماضي، حادثة خطيرة وقعت في حلبا، وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من "الحزب السوري القومي" ومن المؤيدين لـ"تيار المستقبل" والقوى الإسلامية.
أثناء المعارك في طرابلس، كان الهم الأول هو تجنيب القرى العلوية، وتلك السنية القريبة منها، شبح انتقال الفتنة إلى عكار، لاسيما بعدما رُصدت عناصر مسلحة قيل إنها تابعة للمخابرات السورية ولحزب "البعث" ولـ"التيار العربي الديموقراطي" في هذه القرى. وكما في البقاع وطرابلس، تحرك مفتي عكار الشيخ أسامة الرفاعي، لعقد اجتماع موسع للفاعليات في القرى التي يتجاور فيها السنة والعلويون. واجه الرفاعي صعوبات في التجاوب معه على خلفية المواقف الحادة التي اتخذها خلال الأزمة الأخيرة، لكنه نجح في نهاية المطاف في عقد اجتماع للفعاليات والمرجعيات الدينية، أسهم بلا شك في تهدئة الوضع. ولاحقاً عُقد لقاءان شعبيان للهدف نفسه، في بلدة عين الزيت في منطقة الدريب، ولقاء مشابه في بلدة البيرة، شارك فيه العشرات من رؤساء البلديات والمخاتير والفعاليات الدينية والشعبية.
وعلى الرغم من الحركة الاستباقية التي قام بها المفتي الرفاعي، ونواب "تيار المستقبل" في المنطقة، والنائب السابق خالد الضاهر، إلا أن الأجواء في عكار لا تزال حذرة، لاسيما أن "الحزب السوري القومي" يعبئ قاعدته على قاعدة الانتقام من "المفتي الأحمر"، أي المفتي الرفاعي كما يصفونه، وثمة تصريحات لـ"عميد الدفاع" في "الحزب السوري" يقول فيها: "مجزرة حلبا لن تمر وسنحاسب المجرمين والمحرضين في الوقت المناسب". وقد أسهم وصول أسعد حردان إلى رئاسة الحزب في تعزيز هذه الروح الانتقامية. في المقابل ثمة من يحذّر من عواقب المس بالمفتي أو بأي شخصية دينية أو سياسية في المنطقة.
الأجواء في عكار يصفها النائب السابق خالد الضاهر بالهادئة، لكنه لا يخفي تخوفه من وجود قرار للتفجير "عند اللزوم"، وفي هذه الحال يقول الضاهر: "سنترك للدولة أن تمارس دورها، وأن تحمي الناس، لكن إذا عجزت الدولة عن القيام بدورها، فمن حقنا أن ندافع عن أنفسنا، وليتحمل من يفتح المعركة نتائج عمله عند ذلك".
في نظرة شاملة لما جرى ويجري في البقاع الأوسط، وفي طرابلس، وفي عكار، وفي منطقة التعمير المحاذية لمخيم عين الحلوة في صيدا. القواسم المشتركة كثيرة: استنزاف للساحة السنية، ودور متعاظم للمرجعيات الدينية، ودور ميداني ملموس للجماعات الإسلامية، وجروح قد تشعل الوطن الصغير، وسؤال جدلي دائم عمن يجب أن يحمي الناس اليوم: الدولة أم ميليشيات الطوائف؟!.