حبس مسؤولون لبنانيون انفاسهم يوم الجمعة المنصرم في انتظار ما ستسفر عنه "جمعة التحدي" التي دعا اليها معارضون سوريون في ضوء اعتقاد ساهم في تعزيزه مسؤولون سوريون ان تنفيذ الجيش السوري اقتحاما عسكريا في درعا ينبغي ان يشكل رسالة قوية الى المعارضين السوريين في المدن او المحافظات الاخرى ويردعهم عن مواصلة الاحتجاجات. وقد كان لاعلان السلطات السورية انسحاب الجيش من درعا يوم الخميس اي قبل يوم من تظاهرات الجمعة تأثير في اشاعة الانطباعات بأن الامور انما تحصل وفق جدول معين تتحكم السلطة بمفاصله. ولذلك فان استمرار تظاهرات الاحتجاج بات يفرض تحدياً اكبر على القيادة السورية، وفق ما تعتقد مصادر ديبلوماسية مراقبة، لان ما اريد له، على ما يبدو، ان يكون مرحلة فاصلة بين ما قبل درس درعا الامني العسكري وما بعده لم ينجح. ولم يطابق حساب البيدر حساب الحقل، فيما نقل عن الرئيس السوري بشار الاسد قوله لمتصلين به ان ما تشهده سوريا على وشك الانتهاء في خلال ايام في اشارة الى نجاح العملية العسكرية في درعا والانسحاب منها وفق ما اعلن.
وتبدي هذه المصادر أسفها لعدم استفادة الرئيس الاسد حتى الان من الفرصة التي لا تزال مفتوحة امامه على الصعيد العربي والدولي في حين ان الهامش امام الدول الكبرى بات يضيق. فالولايات المتحدة وان تكن تدين "القمع الذي يمارسه النظام" لا تزال "تؤمن بمستقبل لنظام الاسد وفي قدرته على تنفيذ الاصلاحات"، وفق ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون التي تتعرض لانتقادات سياسية واعلامية نتيجة الموقف الذي تعتمده ادارة الرئيس باراك اوباما من التطورات السورية. وهو انتقاد طاول حتى الآن التصريحات التي ادلت بها كلينتون في موضوع التطورات السورية. وهو الامر الذي يجعل الولايات المتحدة تدافع بشراسة عن النظام السوري على نحو لا يقل تمسكاً ودفاعاً عن هذا البقاء من جانب روسيا التي عارضت اجماعا في مجلس الامن على بيان يصدر حول سوريا.
وهذا الاحراج الذي تواجهه الولايات المتحدة ينسحب ايضا على الدول الاوروبية وفي مقدمها فرنسا التي عمد رئيسها نيكولا ساركوزي الى فك العزلة التي واجهتها سوريا بعد العام 2005. عبردعوة الرئيس السوري الى باريس وتعيينه موفدا شخصيا له لدى الرئاسة السورية ويعتقد كثر ان طبيعة الاتصالات التي اجريت ساهمت في استعادة سوريا نفوذها في لبنان بعدما انحسر هذا النفوذ بانسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005. اذ تواجه الحكومة الفرنسية تحدي الدفاع عن عدم اعتمادها معايير مزدوجة في التعامل مع الثورات العربية وتحديدا التمييز بين ليبيا وسوريا على رغم اوجه الشبه الكبيرة التي يراها الاعلام الغربي بين البلدين من حيث التعاطي مع موجة المعارضة الناشئة في كل منهما. وهي ترى ان المواقف التي اعلنتها كانت شديدة وهادفة وتعبر عن مدى الاستياء الفرنسي تحديدا من التزام شخصي اخذته باريس على عاتقها في موضوع سوريا، فيما لم تتصرف هذه الاخيرة في موضوع الاصلاح واحترام حقوق الانسان وحق الشعوب وفق ما ينبغي ووفق الالتزام الشفوي او المبدئي السوري في هذا المجال. ولذلك يبدو الموقف الفرنسي مقداماً في السعي الى موقف في مجلس الامن او في اقناع دول الاتحاد الاوروبي باجراءات اكثر حزماً من دون نجاح كبير لاعتبارات مصلحية تتفاوت بين دول الاتحاد.
وفي الاطار نفسه، تقول هذه المصادر ان نافذة الفرص لم تقفل بعد امام سوريا على رغم الاجراءات التي اتخذت ضد النظام السوري. اذ ان العقوبات التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد سوريا وتلك التي يعتزم اتخاذها الاتحاد الاوروبي هي رسالة معنوية اكثر منها تدابير فاعلة، وخصوصا مع تحييد واشنطن الرئيس السوري نفسه عن هذه العقوبات ومطاولتها قريبين منه فقط وفي مسائل لا يعتقد انها تؤذي هؤلاء ايضاً بما يترك المجال امامه مفتوحا لحرية حركة كبيرة يمكن ان ينفذ منها الرئيس السوري من اجل الانتقال بسوريا الى مرحلة اخرى كان يعتقد كثر انه سيعمد الى تنفيذ البعض منها في موازاة اقتحام مدينة درعا للتغطية عما يجري هناك من خلال تسليط الضوء الاعلامي على خطوات اصلاحية سيقال انها بدأت ترى النور من جهة وتاليا من الضروري اعطاؤها فرصة للتبلور والظهور ومن اجل تنفيس الاحتقانات واستيعاب الحركات الاحتجاجية المرتقبة في المدن والمحافظات الاخرى من جهة ثانية. وتخشى هذه المصادر من الا يكون في متابعة القيادة السورية على الوتيرة نفسها معالجة تظاهرات المعارضة في الاسابيع المقبلة احراج اكبر للدول الغربية جميعها بما فيها روسيا او تركيا او سواهما. اذ ان هذه تكون قد استنفدت سبل الضغط مع ترك النافذة مفتوحة لدعم بقاء النظام، تماما كما حصل مع اعلان الوزيرة كلينتون لصحيفة ايطالية موقفها من بقاء النظام السوري في حين اتت حصيلة " جمعة التحدي" لتظهر مدى الحرج في استمرار هذا الرهان مع مطالب متصاعدة لاعضاء في الكونغرس الاميركي وفي الاعلام ايضا تريد موقفاً مختلفاً.