كتبت ايلي الحاج في صحيفة "النهار": ليس في لبنان من هو مرتاح إلى أوضاعه هذه الأيام أكثر من الرئيس سعد الحريري وتياره "المستقبل". عبارة "حظه يفلق الصخر" صارت قديمة لتداولها بكثرة منذ انفجار الإنتفاضات والثورات العربية إثر إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي ترأسها، وكانت خالية من الوحدة. عرف مكانته وسيتدلل غداً إذا ما عُرضت عليه الإقامة في السرايا مجدداً. بل يرجّح قريبون منه إنه سيحوّلها على الرئيس فؤاد السنيورة. ما أحلى الرجوع إليه، وإليها!
مرتاح الحريري ويتابع الوضع عن بُعد وعن قُرب. يتعاطف مع المنتفضين في عواصم العرب باستثناء البحرين. أليس هذا كيلاً بمكيالين؟ يقول الأمين العام لـ "تيار المستقبل" أحمد الحريري لـ"النهار" إن دخول إيران و"حزب الله" على خط المطالب هناك أنهاها وحتّم وقوف العرب مع دولة شقيقة ضد التدخل غير العربي في شؤونها. أما في الموضوع السوري، فلا يغادر "المستقبليون" موقع التحفظ عن التعليق.
يلفت أحمد الحريري إلى إن اللبنانيين قدموا مثال وطنهم "أرض حريات وديموقراطية إلى العالم العربي والعالم أجمع منذ عشرات الأعوام، لكننا في التعامل مع سوريا لن نفرط بما حققنا سياسياً. في الطليعة تأتي زيارة الرئيس الحريري التي كسرت قطيعة رسمية مريرة بين بيروت ودمشق استمرت سنوات، ثم تصريحه عن شهود الزور، فتجاوبه مع المسعى السعودي الذي حمل تسمية "س- س" رغم كلفته الثقيلة. كل تلك المواقف قابلها الإخوان في سوريا وحلفاؤهم في لبنان بالسلبية. فمن مقاطعة وتخوين واعتصام وسط بيروت، إلى 7 أيار وفجر قمصان سوداء. قبل الرئيس سعد، والده الشهيد الرئيس رفيق الحريري غطى سلاح "حزب الله" 15 سنة، فبماذا بادلوه؟ قرارنا بالنسبة إلى التطورات في سوريا البقاء في موقع الحياد التام والإتهامات التي نتلقاها بتسليح المعارضة هناك تحمل على الضحك. نحن خياراتنا كلها سلمية واليوم يدرك الجميع في الخارج والداخل أن المشكلة ليست عندنا".
يتحفظ أحمد الحريري عن الجواب الصريح لدى سؤاله عن النظام الذي يفضله "المستقبل" للدولة الجارة، لكنه واضح وحاسم في رفض نماذج الحكم التعصبية. يتوقف عند بعض التنظيمات السورية وشعاراتها قائلاً: "هذه سيئة بالنسبة إلينا. نحن رسالتنا الإنفتاح والتقدم".
في مجالس سياسية أخرى في بيروت يسأل بعضهم عن رئيس "جبهة النضال الوطني" وليد جنبلاط ولماذا توقف عن انتقاد الحريري ومستشاريه. ويروي أحد رفاق جنبلاط السابقين أن معاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف جعله ينتظر الأسبوع الماضي ثلاث ساعات قبل مقابلته وكان برفقة الوزير غازي العريضي، وأن جنبلاط عاد من دمشق متشائماً على ما أسرّ إلى بعض جلسائه. يعتبر الراوي أن موقف رئيس التقدمي المرحب بقتل أسامة بن لادن يندرج في سياق محاولاته التقرب مجدداً من السعودية التي قطعت علاقاتها به نهائياً على ما كشف بنفسه. سياق لا يخرج منه سحب وثيقة في مؤتمر الحزب التقدمي الإشتراكي كانت ستكرّس تمترسه في خندق قوى 8 آذار. في الواقع اعترض محازبون مشاركون في المؤتمر على هذا التوجه وذكّروا بأن الحزب يساري في الأساس والمنطلق ولا يجوز لمن ناضل ضد ما كان يُسمى "المارونية السياسية" أن يرضخ لـ "الشيعية السياسية". لا يخرج من سياق سياسة جنبلاط أيضاً إدراك الرجل أن الحريري خلافاً لما اعتقد وغيره في مرحلة تكليف الرئيس نجيب ميقاتي يحظى بثقة كبيرة جداً إن لم تكن مطلقة لدى قيادة المملكة، مما يستوجب بالتالي علاقة جيدة به لوصل ما انقطع مع الرياض.
لن يعود جنبلاط إلى 14 آذار بالطبع لكنه لا يريد خلافاً متماديا معها. وعندما التقى الرئيس السنيورة إلى مائدة صديق مشترك هو السيد جميل بيرم كان يريد بحسب بعض العارفين إبلاغ رسالة بضرورة فتح حوار بين الرئيس الحريري والأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله في أسرع وقت، تحصناً من احتمال اقدام الحزب المذكور على خطوات دراماتيكية إذا ما ساءت ظروفه وأوضاعه. سمع جنبلاط من أكثر من مسؤول في "المستقبل" إن الحوار يجب ألا يكون من غير أفق ويلزمه اقتناع من الطرف الآخر بشروط قيام الدولة وتلبيتها.
ويروي السياسي "الرفيق السابق" للزعيم الدرزي واقعة عنوانها "الدرج": عند زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز للبنان مع الرئيس السوري بشار الأسد أُحضر من دمشق درج متحرك لطائرة بوينغ 747 لا يُستخدم إلا لهذه الطائرة، تحديداً إذا كان المطلوب أن تهبط منها شخصية إلى الأرض لاستقبالها بالتكريم. الدرج المتحرك هذا عالٍ استلزم إزالة أقواس وجسور مشاة من الحدود في المصنع إلى مطار بيروت. بعد الزيارة بقي "الدرج" الضخم ولم يأخذه السعوديون إلى بلادهم. تنبه للأمر وزير الأشغال العريضي فدعا إلى احتفال، حضره السفير السعودي لشكر المملكة على أريحيتها وإهدائها إلى لبنان درج طائرة الملك!