كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير": أن يكون التغيير في سوريا والمنطقة ضمن "أرضية مستقرة" نظرية جديدة في السياسة الخارجية التركية يشرحها لـ"السفير" منصور أكجون الذي يشغل منصب مستشار في برنامج السياسة الخارجية التابع للمؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية (تيزيف) ويدير مركز الاتجاهات العالمية. وأكجون هو أيضا عميد قسم العلاقات الدولية في جامعة اسطنبول الثقافية وكاتب في صحيفة "ستار" التركية.
يقول أكجون القريب من دوائر القرار في تركيا إن الخيار الوحيد أمام النظام السوري هو اعتماد التغيير الذي نصحت به تركيا، وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية داود أوغلو، وقد تم إرسال موفدين الى دمشق لحث النظام على اتخاذ مبادرة سريعة في هذا الاتجاه قبل فوات الأوان.
في ما يأتي نص الحوار:
ما هي الرؤية الجديدة للسياسة الخارجية التركية في منطقة الشرق الأوسط في خضم الثورات العربية؟
تقف تركيا في الثورات العربية مع إرادة الشعوب، وتؤيد تحول الأنظمة السياسية نحو الديموقراطية والتغيير. تحاول تركيا تصدير هذه الأفكار كنموذج في عملية دمقرطة المنطقة، مع العلم بأنها تقف ضدّ أي تدخل عسكري في دول المنطقة، وتركيا لم تكن راضية البتة عن التدخل العسكري في ليبيا، وهي لا تزال قلقة من أي نوع من تدخل عسكري عتيد. تفضل تركيا اعتماد الطرق الدبلوماسية العامة والمحادثات الخاصة مع القادة المعنيين، وتؤمن بأهمية الاستقرار، لذا تدعو لأن يكون التغيير من خلال أرضية مستقرة.
كيف تنظر تركيا الى ما يجري في سوريا؟
نحن ننظر الى سوريا ديموقراطية، ليس بالضرورة تلك الديموقراطية المثالية والكاملة، بل الانتقال نحو نظام متحول ومتسم بالشفافية ينظم انتخابات عادلة، ويكون أكثر انفتاحا. سوريا هي واجهة لتركيا ولا أعتقد أن أحدا في بلدنا يشكك في هذا الأمر، وإذا استمر النظام على حاله فمن الصعب إبقاء الوضع على ما هو عليه. ويعود لهذا النظام أن يعمد الى التغيير أو قد يتعرض للتدخل الخارجي أو ربما قد يسقط من الشعب نفسه. وأعتقد أن الخيار الوحيد أمامه هو اعتماد التغيير الذي نصحت به تركيا، وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء الطيب أردوغان، ووزير الخارجية داود أوغلو، وقد تم إرسال موفدين مرات عدة الى دمشق لحث النظام على اتخاذ مبادرة سريعة في هذا الاتجاه قبل فوات الأوان.
هل يعني ذلك بأن ثمة تحولاً في موقف تركيا من النظام السوري؟
لا أعتقد أن تركيا دعمت يوما نظاما محددا، لا في سوريا ولا في أي بلد آخر، فهي لا تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وبالتالي لا يمكن الحديث عن دعم، لكن بما أن هذا النظام هو السلطة الموجودة فكان لا بد من التعاطي معه لأنه يمثل البلد، وإذا وجد شخص آخر على رأس في السلطة فلا أعتقد أن دوائر الحكم في تركيا ستمتعض منه. عزل النظام وارد ما الذي يحكم طريقة تصرف تركيا والمجتمع الدولي؟
لن تعمد تركيا الى اتخاذ تدابير أحادية، لكن من المحتمل أن تشجع المجتمع الدولي على القيام بردة فعل معينة، ولا أعتقد أنه سيحصل تدخل عسكري في سوريا على غرار ليبيا، بل تدابير لعزل النظام وتجميد أمواله، وستعمل تركيا عبر القنوات الدولية في سبيل التغيير المنشود لأن عدم الاستقرار ليس في مصلحة أحد وهو غير مجد للشعب السوري الذي لا يريد رؤية مزيد من الدماء ولا يريد مزيدا من الزعزعة في المنطقة.
هل تتقاسمون وجهة النظر هذه مع واشنطن؟
هنالك نوع من الاختلاف في المقاربات بالنسبة الى سوريا لأسباب متعددة أهمها أن الولايات المتحدة لا تتشارك حدودا مع سوريا، فيما الأخيرة هي جارة لتركيا ولدينا علاقات اقتصادية، وقد بدأت العلاقات تتطور نحو الصداقة منذ عام 1999 لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا تتقاسم معنا الرؤية ذاتها لجهة قيام أنظمة ديموقراطية ومستقرة في المنطقة. الغرب يستغل الثورات العربية هل هناك مخاوف تركية مما يجري في المنطقة العربية؟
إن القلق الذي أشعر به مختلف تماما عن قلق حكومة بلادي التي تصرح دوما بأنها لا تريد زعزعة الاستقرار وسفك الدماء، وأنا أشاركها هذا الهمّ. لكن إذا قاربنا الموضوع من الناحية الاستراتيجية، نرى أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا تستخدم هذه الثورات العربية خدمة لقضاياها ولمصالحها محاولة إحكام السيطرة على كل شيء، والتعويض عن التدخل العسكري عبر التدخل في تكوين السلطة في بعض البلدان. وبالتالي إن لهذه الدول أولوياتها، أما الأولويات التركية فليست هي ذاتها الأميركية، وبالتالي نود رؤية تغيير يمرّ عبر الاستقرار من دون سفك دماء، كما أنني أتخوف من أن تستخدم القوى الخارجية هذه الثورات لقضايا خاطئة.
هل سيؤثر ما يجري على نظرية داود أوغلو المتمثلة بـ"صفر مشاكل" مع الجوار؟
ان نظرية "صفر مشاكل" ألغت مشاعر الخوف والكراهية، حيث هناك خصوم بالطبع لكن من دون كراهية، وبالتالي إن هذه النظرية تستخدم اليوم في كل الأمور وليس بالضرورة أن تجد حلولا للمشكلات كلها سواء مع الدول المجاورة أو مع العالم أجمع. تبنت تركيا رسالة جديدة وتبنت أيضا نظرية التوافق على حل النزاعات، كانت تركيا قبلا جزءا من النزاعات لكنها اليوم جزء من الحلول.
كيف يمكننا اليوم تحديد الدور الذي تلعبه تركيا؟
أعتقد أن الأمر معقد للغاية، ويتعدى التصنيفات المتداولة، إن صورة الجسر لم يصنعها الأتراك بل هي اختراع أميركي ذكر للمرة الأولى في مؤسسة "راند" في بداية التسعينيات، وقد تبنت إدارة الرئيس السابق سليمان ديميريل هذا التوصيف، لكن حصلت تغييرات عالمية كبرى منذ ذلك الحين، ما حتّم دوراً تركياً مختلفاً، وخصوصاً في ظل نقد تعرضت له تركيا على صعيد حقوق الإنسان، وهي لم تكن قوة اقتصادية ولا سياسية كبرى، وبالتالي كان لا بد من تسويق موقعنا الجيوبوليتيكي. لذا تمت إعادة اعتماد مصطلح الجسر بمعنى أن الآخرين يمكنهم استخدامنا وتحديدا الغرب (بالمعنى المجازي) بغية تحقيق أهدافه. هكذا كان الوضع التركي آنذاك لكنه انتهى اليوم لأن سياستنا الخارجية لم تعد منقسمة كما في الماضي تجاه الغرب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. تأخذ سياستنا الخارجية اليوم في الاعتبار عوامل عدة وتحاول التعامل مع المشاكل بحسب الظروف، وموازنة مصالحها ومصالح المنطقة معا.
كيف تنظر تركيا الى خشية بعض اللبنانيين من وصول أي نظام «للإخوان المسلمين» في سوريا؟
لا أعتقد أن تأثير "الإخوان المسلمين" كبير في أي من الدول، وهذا أمر تضخمه الأنظمة القائمة بحدّ ذاتها، وإذا تمكن بعضهم من الوصول الى سلطة ما فإن وضعهم وتعاطيهم لن يكون كما كان في الماضي. بعد وصول "حزب العدالة والتنمية" الى السلطة ادعى البعض بأن لديه أجندة سرية، وأنه يريد أن يحول تركيا الى نظام الشريعة الإسلامية، وأنه سيقمع الأقليات وسواها من الأمور، وقد ثبت بأنها كانت خاطئة. يجب أن نكون رؤيويين حيال القوى التي تحاول الحد من حرياتنا لكن في دولة ديموقراطية يمكن إرساء مبادئ ديموقراطية. بالنسبة الى لبنان فهو طالما كان بلدا هشا لكنه أفضل بكثير اليوم، وأعتقد أن المخاوف ليست مرتبطة بما يحدث في إيران وسوريا بل في حل المشكلة الفلسطينية، فإذا تم حل هذه القضية فإن لبنان كما بلدان أخرى في المنطقة ستشهد المزيد من الاستقرار والديموقراطية قياسا الى الماضي.