تغيب، في البحرين، تحت وطأة موجبات الأمن القومي الخليجي، الاسئلة الجدية حول النواقص المؤذية التي تعتري العقد الإجتماعي في هذا البلد، وإمتدادا في منطقة الخليج العربي، لا سيما ما يتصل منها بالعلاقة بين السنة والشيعة في هذه الدول.
سريعاً ما تحولت أزمة سياسية، مرتبطة بمطالب محقة بالاصلاح في البحرين، الى مادة على جدول الصراع الاستراتيجي بين إيران من جهة والخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية من جهة اخرى، ما سمح بتقدم السجال ذي الطبيعة الامنية والحلول ذات الطبيعة العسكرية على ما عداها من سجالات وحلول لن يساعد شيء على تأجيلها.
الواقع أن الحلقة الأخيرة من حلقات الإحتجاج في البحرين، وإن تزامنت مع موجة الإحتجاجات المتنامية في المنطقة العربية، الا انها تشكل مساراً مستقلاً في سياق النضال الوطني البحريني من أجل عدالة سياسية وإجتماعية. بل يمكن القول إن جزءاً أساسياً من تاريخ البحرين منذ الاستقلال عام 1971 هو تاريخ هذه الحركة الشعبية المتنوعة المشارب والمذاهب وإن كانت غالبيتها
شيعية، كما هي غالبية شعب البحرين على أي حال.
وهذا التاريخ يشي بوضوح أن المطلب الاصلاحي سابق على إيران الخمينية وعلى حاكمية الولي الفقيه بنحو عقد على الاقل، إذا ما إستندنا في التأريخ الى الاستقلال كلحظة مفصلية من تاريخ هذا البلد. والصحيح أيضاً أن المطامع الايرانية في البحرين، والخليج عموماً، مطامع سابقة على إيران الخمينية. بل إن الأدبيات الخليجية حافلة هذه الايام بالحديث عن هذه المطامع من باب إستعادة الحقبة الممتدة بين الإنسحاب البريطاني من الخليج عام 1968 وما تلاه من إستئساد إيراني مارسه الشاه محمد رضا بهلوي وترجمه إحتلالاً لجزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى الاماراتية عام 1971، الأمر الذي إشترك شيعة البحرين مع مواطنيهم السنة في الإحتجاج عليه.
إذذاك، يمكن الإدعاء أن مطلب الاصلاح السياسي في البحرين وإن تزامن مع المطمع الايراني في الكيان البحريني، الا أنه، اي الاصلاح، ليس بأي حال من الأحوال ترجمة عملانية للثاني.
لطالما تمحور مطلب المعارضة البحرينية حول مسألة تعديل مركز القرار السياسي بنقله من القبضة الكلية للأمير (الملك لاحقاً) الى برلمان منتخب وصاحب صلاحيات تشريعية والإقتراب، تالياً، قدر الممكن من صيغة الملكية الدستورية في هذا البلد. وشهدت البحرين سلسلة إنتفاضات شعبية كان أبرزها تلك التي تتالت منذ العام 1994 وصولا الى العام 1999، وما تخللها من اعمال قمع من قبل السلطة وحالات شطط من قبل المعارضة وصلت في بعض الأحيان الى حدود التآمر على العرش كما حصل العام 1996، وهو ما قالت الحكومة آنذاك إنه محاولة إنقلاب دبرها "حزب الله" في البحرين بدعم من طهران.
في العام 1999 حاول الملك حمد بن عيسى إثر وفاة والده أن يفتتح عهده بمرحلة سياسية جديدة فكان أن أطلق ميثاق العمل الوطني واعداً بتحويل البحرين الى ملكية دستورية. غير ان الأمور بقيت حبراً على الورق، بحيث جاءت صيغة البرلمان بغرفتيه الدنيا (منتخبة) والعليا (معينة) لتسد فراعاً شكلياً فقط، إذ بقيت فيه السيطرة للنواب المعينين على النواب المنتخبين من الشعب، ما دفع الجمعيات الشيعية الى مقاطعة الإنتخابات عام 2002.
وعليه كان من البديهي أن تزدهر، في كنف المقاطعة السياسية، خيارات الإحتجاج الى ان قررت جمعية الوفاق، وهي أكبر حركات المعارضة الشيعية واكثرها إعتدالاً، المشاركة في العام 2006 في الإنتخابات. وقد سمحت لها المشاركة هذه بحصاد معظم الاصوات الشيعية من دون ان تتمكن، بسبب تقسيمات الدوائر الإنتخابية، من الحصول على أكثر من 17 مقعداً من أصل 40، كما نجحت في المحافظة على هذه النتيجة وزيادتها بمقعد واحد في إنتخابات 2010.
في المقابل تمسكت الجمعيات الشيعية الأكثر تشدداً كجمعية الحق المنشقة عن الوفاق بخيار المقاطعة. وكان لهذا الإفتراق في الأداء السياسي أثره المهم في بلورة حركة المعارضة البحرينية كما أنه من المهم التنبه له من أجل فهم ادق للمشهد البحريني في ضوء سؤال الشرعية السياسية في هذا البلد، نظاماً ومعارضة، وليس في ضوء الصراع الإقليمي الأكبر بين الرياض وطهران. ففي حين حرصت جمعية الوفاق على تحصين المعارضة بمد جسور التفاهم مع معارضات اخرى غير شيعية مثل إنضوائها مع جمعية وعد الليبرالية السنية ضمن إطار الإئتلاف الوطني في مرحلة من مراحل الأزمة الأخيرة، كانت جمعية الحق تعلن مع المكونات الراديكالية داخل المعارضة تشكيل التحالف من اجل الجمهورية في البحرين الذي ضم الى جمعية الحق، جمعية الوفاء وحركة تحرير البحرين.
وقد شكل الاعلان عن التحالف خطأً إستراتيجياً قاتلاً بالنسبة للمعارضة لأنه مثل عملياً الانتقال بالمعارضة من مستوى المطالبة بإصلاح النظام الى المطالبة بتغييره، الأمر الذي سهّل ضرب المعارضة بكل مكوناتها تحت عنوان الدفاع عن الدولة. ولم تنفع إزاء هذا الاعلان عن التحالف من أجل الجمهورية كل محاولات التمايز الجدي التي بذلها قادة جمعية الوفاق والتي كان أبرزها مطالبة أمين عام الجمعية إيران بعدم التدخل في شؤون البحرين في الوقت نفسه الذي طالب فيه بإنسحاب قوات درع الجزيرة. وهذا مما يطرح على جبهة الوفاق تحدي أن تبين للرأي العالم اسباب إنهيار فرص المصالحة التي كان يعمل عليها من داخل البلاد وخارجها في اللحظة التي كانت المعارضة فيها في موقع القوة، والسلطة في موقع المبادرة الى فتح الحوار حول الاصلاحات الممكنة.
غير أن ما لا ينبغي القفز فوقه، أن هذا الافتراق في الأجندات السياسية داخل المعارضة نفسها يشكل أفضل دفاع في وجه محاولة إلباس كل المطلب الاصلاحي في البحرين لبوساً تآمرياً لا وظيفة له الا تعميق الإختراق الايراني للمجتمعات والدول العربية.
وهنا تطرح اسئلة جدية حول الاسباب التي دفعت السلطة في البحرين في لحظة الازمة الى السماح للشيخ علي المشيمع (جمعية الحق) بالعودة الى البلد، مع الادراك المسبق بان المشيمع سيسعى لإختطاف لحظة الإعتراض والذهاب بها الى غير وجهتها، وهو ما حصل بالفعل، ما مهد لسحق حالة إحتجاج شعبية تمتلك من المشروعية ما لا يستطيع أي مراقب نزيه الطعن فيه.
وطبعاً لم تفوت إيران ولا السيد حسن نصرالله في لبنان فرصة ركوب موجة إختطاف البحرين والذهاب بها وبمطالب ابنائها من الشيعة العرب الى غير مكانهم الطبيعي على المستويين السياسي والفقهي. فكانت خطيئة الخطاب في بيروت وكانت المزايدات الايرانية، وقبلها كانت خطيئة رفع علم البحرين معدلاً في الإعتصام في بيروت على غرار رفع العلم عينه في البحرين من قبل أنصار المشيمع، وهو العلم الذي يحمل إثني عشر رأساً مسنناً، إشارة الى الإمامة الإثني عشرية، بدل العلم الرسمي الذي يحمل خمسة رؤوس مسننة، إشارة الى اركان الاسلام الخمسة.
والأنكى أن تجربة الشيعية السياسية في لبنان ممثلة بـ"حزب الله" وما تترجمه يومياً من إعتداء متفاقم على النظام العام لا تشجع على التمكين السياسي للشيعة خارج لبنان، فكيف إذا كانت هذه الشيعية السياسية نفسها متبرعاً متحمساً للمساهمة في هدم الاستقرار بذريعة الاصلاح.
وعليه يمكن فهم أولوية التنبه والتصدي للصيد الإيراني في مياه مجتمعات الخليج العكرة. لكنها أولوية تبقى منقوصة ما لم تقترن بأولية تنقية هذه المياه من خلال إعتبار ان الحصانة المجتمعية المبنية على عقد المواطنة، وليس المذهب، هي أهم العوازل في مواجهة أذرع الأخطبوط الإيراني، مع ما يؤدي اليه ذلك من إعادة إحياء التشيع العربي كمكون من مكونات المجتمعات والسلطات، وهذا اهم، في العالم العربي. وازعم ان هذا تحدٍ للشيعة أولاً قبل السنة بكل قواهم السياسية والفقهية والمدنية.
كما أنه لا بد من التنبه الى أن قدرة إيران على التمدد المجتمعي المنكر والخطير في المنطقة ما كان ممكناً، بهذه السهولة على الاقل، لولا التأجيل المزمن لمعالجة اسئلة الاصلاح الملحة والمحقة. فليست أجندة الإصلاح هي التي ادخلت ايران الى مكوناتنا المجتمعية بهذه الخطورة بل النكوص المريع عن معالجة هذه المطالب. ولعله من المريع ، بعد قضائنا أكثر من ستين عاماً في تخوين المطلب الديموقراطي بصفته مطلباً إسرائيلياً، أن نكون أمام دعوة مضمرة لقضاء مثل هذه الفترة وربما أكثر في تخوين المطلب الإصلاحي بإعتباره مطلباً إيرانياً.
ثم ان الأمانة تقتضي، في معرض تحديد عناصر الازمة والمسؤوليات عنها، أن تساءل السياسات ضيقة الأفق التي إعتمدت في السابق جواباً على أزمة البحرين المزمنة ومنها السياسات غير المعلنة لتوطين عشرات الاف البنغاليين والباكستانيين والأفغان في سبيل تعديل الميزان المذهبي في هذا البلد، بدل الإنخراط الجاد في تطوير العقد الإجتماعي بما يؤدي الى ولادة إستقرار على مستوى الهوية الوطنية المدنية.
البحرين تختصر الخليج بعمومه الآن. وإستقرار الخليج وسلامته يختصران إستقرارنا جميعاً. ومدخل الإستقرار هذا فتح الباب، من دون تردد، امام مشروع مدني وطني يزواج بشكل خلاق بين موجبات إستقرار الأمن وإستقرار الهوية.
أما حيال اللجوء الى خيار العقاب الجماعي، كما يلوح هنا أو هناك، فإن دروس التاريخ في هذا المقام تعلمنا أنه أدى ، في الحالات جميعاً، الى مزيد من تصلب العصبيات والإعتداد بها معطوفاً على ميل جارف لإستعادة مشوهة للتاريخ.