كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار":
رغم مناشدات مجتمع الاعمال الزعماء السياسيين تحييد الاقتصاد عن السياسة وتخفيف حدة المشاحنات لتأثيرها السلبي على المناخ الاقتصادي والاستثماري العام، ومع بدء الهيئات الاقتصادية تحركا في اتجاه القيادات السياسية لتسليط الضوء على أخطار الفراغ الحكومي واحتمال اهتزاز الاستقرار، ثمة ثابتتان تبلغتهما الهيئات في حركة اتصالاتها قللت هواجسها حيال الاوضاع العامة التي ترجمت تراجعا مقلقاً في المؤشرات المالية والاقتصادية.
الاولى ان لا خوف على الاستقرار الامني رغم الحوادث المتفرقة، وأن أيا من القيادات السياسية لا يمكنه السماح بأي انزلاق في ظل الانكشاف الامني الحاصل في المنطقة واحتمالات ارتداده سلباً على لبنان.والثانية ادراك اهل السياسة لخطر استمرار الفراغ وتراجع المؤشرات التي تهدد بألا يتجاوز النمو 2،5 في المئة وفق توقعات صندوق النقد الدولي كما تنذر بتفجر ملفات مالية واجتماعية على غرار ما هو حاصل حاليا في مسألة ازمة البنزين او التجديد لحاكم المصرف المركزي.
يبدو ان ثمة توجهاً للتعامل مع الملفات المطروحة عند استحقاقها وان تكن في معظمها تفتح على خلفية مزايدات سياسية.
ولم تكتم اوساط وفد الهيئات الذي زار رئيس مجلس النواب نبيه بري قلقه وتفهمه لهواجس القطاعات الاقتصادية.
وقد ولّد الشلل الناجم من عدم صلاحية حكومة تصريف الاعمال لاتخاذ اي قرارات او اصدار اي مرسوم تسَهل عمل المؤسسات، قلقاً في الاوساط المالية والمصرفية مع قرب استحقاق انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة في 31 تموز المقبل مما دفع مجموعة من الغيارى الى التحرك واطلاق جرس الانذار لاستباق الفراغ على مستوى الحاكمية، واحتل هذا الاستحقاق حيزا من تحرك الهيئات التي تسعى الى معرفة الآليات القانونية والدستورية المتاحة لتلافي الفراغ.
وقوبلت تلك المخاوف بطمأنة من الجانب الرسمي الذي قلل مخاطر الاستحقاق على قاعدتين: الاولى ان المهلة الفاصلة عن موعد الاستحقاق لا تقل عن شهرين ونصف شهر يمكن ان تشهد البلاد خلالها تشكيل الحكومة مما ينفي أي حاجة لاجراءات استثنائية استباقية بما ان المسألة المطروحة لم تدخل بعد في حالة الطوارىء او الاستثناء الذي يستدعي مثل هذه المعالجة وخصوصا انه يمكن الحكومة اتخاذ قرار يحال ضمن بيانها الوزاري على المجلس لنيل الثقة.
اما القاعدة الثانية فهي ان المشترع لم يغفل خطر الفراغ في الحاكمية فاستحدث 4 نواب للحاكم ينوبون عنه وان كان ثمة من يخشى الوصول الى مثل هذه المرحلة لأن نظام المحاصصة الطائفي وزع الحاكمية على الطوائف الاساسية واي حلول للنائب الاول للحاكم – وهو من الطائفة الشيعية- قد يرتب اخلالا بالتوازن في غياب الحاكم الماروني!
أما الحديث عن ضرورة توجيه اشارات ايجابية الى الاسواق المالية ولا سيما ان البلاد امام استحقاق ابدال ديون مستحقة، فان ثمة من يرى في الامر تعليلا لحجم الازمة التي لا تقتصراخطارها في حال تعذر التجديد للحاكم على المصرف المركزي وانما تتجاوزها على المستوى العام لأنها ستعني عمليا ان البلاد ستبقى من دون حكومة لأمد طويل.
وعلم ان بري الذي لم ير اي داع لاستعجال اللجوء الى آليات استثنائية للتجديد للحاكم ما دام الوقت لم يحن بعد، وعد الهيئات بالتحرك اعتبارا من مطلع الشهر المقبل اذا لم تتبلور الولادة الحكومية قبل ذلك علما ان هاجس رئيس المجلس يتركز على ملف يتسم باهمية كبرى ويرى انه يجب ان يشكل أولوية للحكومة العتيدة ويتمثل بملف التنقيب عن النفط والغاز وخصوصا بعدما ابلغ ممثل الامين العام للامم المتحدة مايكل وليامس المسؤولين اللبنانيين حصول تقدم في موضوع ترسيم الحدود البحرية للبنان والذي سبق أن تقدم به من جانب واحد الى الامم المتحدة، في الوقت الذي قررت قبرص بدء تنفيذ اتفاقها مع اسرائيل متجاوزة عدم توقيع الاتفاق مع لبنان.
تجديد أم استمرارية؟
ولكن أيا تكن الآليات المطروحة فهي لا تدور حول التجديد او التمديد للحاكم بل تأمين استمرار العمل في المرفق العام على قاعدة "ان الضرورات تبيح المحظورات" وان الموضوع يصبح في عهدة الحكومة العتيدة. ويقول الرئيس حسين الحسيني لـ"النهار" انه يجوز للمجلس ان يطلب تأمين استمرار العمل موقتا وفقا لما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا. مشيرا الى ان مجلس النواب لا يحل محل السلطة التنفيذية لكنه يتمتع بصلاحية بت الامور الطارئة او الاستثنائية التي تفرضها المصلحة العليا من دون ان تمس بالتشريع. ولا يجد الحسيني مانعا امام الحكومة في حالة تصريف الاعمال من اتخاذ قرارات استثنائية وخصوصا أن مبدأ تصريف الاعمال مقرون في رأيه بالنسبية أي بنسبة كل موضوع وعدم امكانية تأجيل بته.
وعلم ان رئيس لجنة الادارة والعدل النائب روبير غانم يتشاور مع بري في صدد درس الآليات القانوينة المتاحة. وهو كشف لـ"النهار" ان ثمة توجها يجري التحضير له يتمثل باقتراح قانون يرمي الى تعديل المواد القانونية المتعلقة بولاية الحاكم في قانون النقد والتسليف بما يفضي الى اقتراح تأمين استمرارية الحاكم ونوابه في تسيير اعمال الحاكمية حتى تعيين البديل، موضحا ان هذه الآلية تربط بين الولاية المنتهية واستمرار المرفق العام، مذكرا بسابقة المجلس الدستوري عندما استمر في العمل لعامين منعا للفراغ. وأعرب غانم عن اقتناعه بأنه لا يجوز ان يتوقف المجلس النيابي عن العمل واتخاذ قرارات تسهل وتيسر عمل المرافق العامة من دون ان يعني ذلك أن يشَرع. فالتشريع شيء وقرارات تسيير شؤون البلاد شيء آخر وهذا انطلاقا من عدم رهن البرلمان لمجلس الوزراء انطلاقا من مبدأ فصل السلطات.