أَسمع كلامك يعجبني…
أما وقد تحدّث الجميع تقريباً عن مدّ الأيدي عوض البندقية، وإشهار الابتسامة عوض التهديد والوعيد، فلا شيء يبقى مستحيلاً أو عصيّاً على الحل.
حتى بالنسبة الى لبن العصفور.
وحتى بالنسبة الى الاستراتيجية الكونيّة.
وحتى بالنسبة الى الحصول على براءة اختراع الحقائب السيادية وأخواتها، والتي يسمع بها اللبنانيون للمرة الاولى.
وهذا، لعمري، تطوّر حسنٌ يبشّر بالخير وربما بتغيير فعلي وأساسي في الاجواء الداكنة والقاتمة التي تخيم فوق لبنان شمالاً وجنوباً، وجبلاً وساحلاً.
والأمر الآخر الذي سيفتح زاروباً ضيّقاً لمرور التفاؤل الى النفوس التي لم تعرف منذ سنين سوى الاكتئاب والقنوط، كون المحيط الاقليمي تغيّرت ملامحه وقسمات وجهه، مثلما تغيّرت نبرة صوته ومفرداته حين يكون الكلام عن لبنان وأزماته.
وهذا، بدوره، يشكّل عاملاً إيجابياً يشجّع الناس على توقّع تطورات مطمئنة على جبهة الأزمة الحكومية، وبعد مرور تسعة وثلاثين يوماً على انتخاب الرئيس ميشال سليمان… وستة وثلاثين يوماً على تكليف الرئيس فؤاد السنيورة.
حتى الساعة، حتى هذه اللحظة، ينتظر الرئيسان والنواب والسياسيون واللبنانيون والعرب والعالم تصاعد الدخان الأبيض من دارة العماد ميشال عون، ليهرعوا الى تبادل التهاني وتسطير البرقيات، واضاءة الشموع، وايفاء النذورات.
والدواعي الى التشجّع والتشجيع كثيرة في هذا المجال، ولا تقتصر على الملامح والتعابير ومد الأيدي عوض الاصابع وتراكم الابتسامات عوض الزبد، بل تجاوزتها كذلك الى الدعوة لطي الصفحات الكثيرة الطافحة بقصص أغرب من الخيال، الى طي صفحة الماضي البعيد والماضي القريب، الى طي صفحات الآلام والقهر والعذاب والخوف، الى طي صفحات السقوط في التجارب المشؤومة، والعودة الى الصواب والرشد والتعقّل والتورّع.
ولكن، من اضعف الايمان ان يطالب اللبنانيون مطلقي هذه الدعوات والبشارات، وموزعي الرواق والابتسامات على غير ما اعتادوا، بان يبرهنوا عن جدّيتهم في ما يقولون.
فالكلام يظلّ كلاماً الى ان يُترجم أفعالاً على الارض، وفي السرايات، وعلى "الجبهات". والندم يحتاج الى أدلة ثبوتية. والرغبة في تجاوز الأخطاء والهنات غير الهيّنات لا يؤكدها سوى اتباع القول بالفعل.
مراراً لا تحصى سمع اللبنانيون كلاماً معسولاً يقول عفا الله عما مضى، لكنهم ما فتئوا يردّدون حتى الساعة اسمع كلامك يعجبني أشوف أمورك استعجب.
مراراً وتكراراً قيل الكثير من الكلام الذي جعل الناس ينزلون الدبكة، وقيلت وعود، وقيلت عهود عن العيش المشترك، والبلد المشترك، والمصير المشترك، والحياة المشتركة. ولكن، ولا مرة طلع الضوء على ما قيل.
مع ذلك، وعلى رغم كل المآخذ والمحاذير، فلنغامر بالقول هذه المرة ولا كل مرة. فاعقلوا وتوكلوا.