من يطمئن اللبنانيين القلقين حتى اليأس؟
أين التوقّعات المتفائلة من الوقائع الضاغطة على الأرض والغامضة في الكواليس؟ هل ضاقت المسافة بين ما نسمعه وما نلمسه؟ وهل ما نراه في بيروت هو الأصل أم الظل لما يدور في عواصم عدّة؟ الناس حائرة والأجوبة محيِّرة: شيء ما يوحي ان الميزان يميل الى الصحو في الطقس السياسي، أقله على مستوى تأليف الحكومة.
وشيء ما في المواقف المعلنة من النصر في عملية تبادل الأسرى بين حزب الله واسرائيل يوحي اننا في بداية صحوة وطنية. لكن أشياء تعيد تذكيرنا بالانتكاس الذي كان ولا يزال يتعرّض له كل صحو في الطقس السياسي. وأشياء تحذّرنا من ان تكون الصحوة الوطنية موقتة في مناسبة فرح وطني كما كانت موقتة في مناسبات السير الحزين في جنازات الشهداء. فلا أحد يصدّق ان توزيع الحقائب الوزارية يحتاج الى مفاوضات طويلة وصعبة مثل التفاوض على تسوية للصراع العربي – الاسرائيلي أو على حل للملف النووي الايراني. ومن الصعب تصوّر مصير لبنان يتوقف على حقيبة وزارية، ان لم تكن العقدة في (الحقائب) الإقليمية والدولية التي لا نعرف ماذا فيها.
وليس جديداً أن يعيش اللبنانيون في قلق. فالوطن الصغير محكوم منذ البدء بالقلق والخطر، وسط اللجوء الى الرجاء. حتى الذين يتناوبون على أدوار القوّة، ذاتية كانت أو مستعارة، ومع تبدّل المراحل والرياح الاقليمية والدولية، فإنهم يشعرون بالقلق والخوف من أي تطورات تنزع من أيديهم عناصر القوة.
الجديد ان القلق لدى اللبنانيين وصل الى حدود اليأس. اليأس من ان تتوقف دورة العنف والاضطراب كل عشر سنين منذ الاستقلال حتى اليوم، وكلما تبدّلت موازين القوى في المنطقة وتغيّرت الأدوار و(المراكز) التي ترتبط بها قيادات الطوائف والمذاهب. اليأس من ضمان التوازن في النظام الطائفي، كما من حلّ الأزمة البنيوية في النظام. اليأس من بناء مشروع الدولة في (بورصة) الأسهم والحصص في السلطة و(الساحة) المفتوحة للصراعات والمداخلات الخارجية. واليأس حتى من تأليف حكومة والتفاهم على قانون انتخاب عادل يسمح للناس باختيار ممثليها بدل ان يختار الممثلون أنفسهم عبر قانون يضمن لهم سلفاً نتائج الانتخابات كما كانت الحال في قوانين الانتخاب بعد الطائف وكما هي حاليا في العودة الى قانون 1960 حيث النتائج محسومة باستثناء دوائر محددة. لا بل اليأس من الحصول على الأمور العادية في أي بلد طبيعي، وهي الخدمات والأمن وفرص العمل بما يعيد المهاجرين بدل دفع المقيمين الى الهجرة.
ويحدثونك عن التوافق، كأن التوافق انتهى بايصال رئيس توافقي الى قصر بعبدا، وبدأ الصراع على الجمهورية.