
مجموعة رسائل “بالبريد العاجل” تقصَّد النائب جبران باسيل في إطلالته، ليل الأربعاء الماضي، إبلاغها للرئيس المكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، الذي “يغالي” في إشاعة الأجواء الإيجابية في فضاء عملية تشكيل الحكومة و”ليونة” المشاورات مع رئيس الجمهورية ميشال عون حولها، ربما انسجاماً مع طبيعة الرجل الذي “يهوى” تدوير الزوايا للوصول إلى أهدافه، بحسب بعض عارفيه.
“النكوزات” الشَرطية التي عاجل باسيل ميقاتي بها غداة بدء الكلام الجدي حول الحكومة بين الأخير وعون، تخفي ما لا يطمئن حول ولادة الحكومة المنشودة في وقت قصير. علماً أن تبادل “النكوزة والتلطيش” بين ميقاتي وباسيل بدأ في لقائهما خلال الاستشارات النيابية غير الملزمة، بين “ما سمّيناك لأنو تجربتنا معك ما كانت مشجعة” الباسيلية، وبين “عندك حدا للتربية؟” الميقاتية اللمّاحة، قبل أن يضيف إليها “خلي صلواتك وخيالك موجود والحكومة بتمشي” رداً على تعفُّف باسيل “ما بدنا شي بالحكومة”.
لكن التحذير الأعلى سقفاً من باسيل لميقاتي ورد في قوله “ما حدا في يحرقنا وما نحرقو، وإذا أتى ميقاتي بالمسار ذاته الذي سار فيه سعد الحريري على قاعدة تفشيل ميشال عون وعدم تأليف حكومة لنهاية عهده، ما رح نقعد نتفرّج ولدينا خيارات كثيرة، بالإضافة إلى تأكيده أن عون كان يطالب بوزارة الداخلية في كل الحكومات السابقة. ما يعني، باللبناني، أن باسيل “ما رح يقعد عاقل”.
بالتالي، أي مسار ستسلكه مشاورات التأليف بين عون وميقاتي؟ وهل يفاجئ الرجلان اللبنانيين بولادة الحكومة قبل الرابع من آب المقبل، كما يوحيان أو يسرِّبان، فضلاً عن باسيل، بأن الأمر ليس مستحيلاً، أم أن ملامح العرقلة بدأت تطل برأسها باكراً وقد لا ينقضي الأسبوع الحالي قبل بروزها بشكل واضح لنعود إلى مسلسل المماطلة ذاته الذي شهدناه مع الحريري؟
المحلل السياسي علي حمادة، يؤكد، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “النقطة الأهم التي يمكن أن نستشفّها من كلام باسيل، هي أن الأهداف الأساسية المرسومة أمامه لم تتغير، ولا تزال عين عون ومعه باسيل على أمرين: أولاً، تحسين وضعية التيار الوطني الحر الشعبية تمهيداً لاحتمال خوض انتخابات نيابية بعد أقل من سنة. وثانياً، التمهيد لطرح مسألة رئاسة الجمهورية وخلافة عون، وهذا أمر أساسي ويتقدَّم على ما عداه من اعتبارات أخرى”.
ويلفت حمادة، إلى أن “عون يعتبر أنه في نهاية عهده، وهو سيغادر مبدئياً قصر بعبدا في نهاية ولايته الرئاسية، ليس رغبة منه بذلك إنما لأسباب تتعلق بالتقدم في السن. لكن عون لن يغادر القصر من دون أن يؤمِّن مسألة الخلافة، التي تعني بالنسبة إليه خلافته لنفسه عبر تأمين أوسع تأييد لباسيل لكي يخلفه في المنصب الرئاسي”.
ويشدد، على أن “مقاربة عون لتشكيل أي حكومة، أكانت برئاسة الحريري أو ميقاتي، أو أي مرشح آخر إذا فشلت مهمة ميقاتي، هي تأمين هذين الاستحقاقين ولا سيما الاستحقاق الثاني، أي رئاسة الجمهورية. وبخلاف ذلك، وفي حال فشلت محاولات عون ومحيطه في تحقيق هذه الأهداف، لا مانع بالنسبة إليهم من الذهاب إلى أزمات حكومية متلاحقة لإسقاط النظام برمّته”.
وبرأي حمادة، أن “المواقف التي أطلقها باسيل، تعني أنه لم يوقِّع شيكاً على بياض لميقاتي. صحيح أن التيار لن يشارك في الحكومة مباشرة لكنه موجود عبر رئيس الجمهورية، بالتالي هذا كلام للتعمية. وهذا لا يمنع بأن عون وباسيل يؤيِّدان مجيء ميقاتي لأن الهدف الأساسي كان التخلص من الحريري، واستطاعوا أن يتخلصوا منه والإتيان بشخص يخيِّرونه بين الواقعية وتدوير الزوايا وبين مشكلة”.
ولذلك، يضيف حمادة، “لا يتوقَّعنَّ أحد أن يقدِّم عون في المضمون أكثر ممّا قدَّمه للحريري. في الشكل يمكن أن يعطي ميقاتي لكن ليس في المضمون. أما عن إعطاء مواعيد لولادة الحكومة قبل 4 آب المقبل أو غيره، تعوَّدنا في لبنان أن المواعيد ليست مقدسة، والمهمة ليست سهلة”.
ويلفت، إلى أن “هناك حدوداً للمناورة لدى ميقاتي أيضاً، إذ أنه بدوره يستطيع أن يقدِّم الكثير في الشكل لكنه لا يستطيع أن يفعل في المضمون، لا سيما تقديم تنازلات واضحة وظاهرة للرأي العام لم يقدِّمها الحريري، علماً أن ميقاتي لا يمانع بخوض معركة مع عون على تأليف الحكومة لأنها تفيده شعبياً. وكذلك بالنسبة لعون وباسيل، فالمعركة مع رئيس الحكومة السنيّ بشكل عام مربحة أيضاً من وجهة نظرهما، لتوظيفها على أبواب الانتخابات في سياق شعارات استعادة قوة المسيحيين داخل النظام وما شابه”.
ويعتبر حمادة، أنه “يمكن الاستنتاج أن لا شيء تغيَّر عملياً على صعيد الأزمة اللبنانية، في السياسة والاقتصاد والمال، وهي مستمرة مع ميقاتي ومن دونه. وهذا ما يدركه ميقاتي الذي يعرف حدوده ويتواضع في طروحاته، إذ قال صراحة إنه لا يملك عصا سحرية وجلّ ما يريده محاولة فرملة ما أمكن من هذه الأزمة، وإنه لن يستطيع إخماد الحريق إنما يأمل بحصره ومنع انتشاره، لكن الحريق متواصل في منازل اللبنانيين بميقاتي أو بغيره”.
وتبعاً لذلك، يضيف حمادة، “المهمّة، حتى إن تشكَّلت حكومة، محدودة جداً. وإن لم تتشكَّل، ميقاتي ليس خاسراً لأنه سيخرج بمشكلة مع عون تصبُّ في طاحونته الانتخابية بعد أقل من عام”، لافتاً إلى أن “الطرف الوحيد المحيَّد من كل هذه الأزمة هو حزب الله، الرابح على كل الأصعدة، لأن الجميع يحيِّد العنصر السلبي الذي يمثله في الأزمة، وهو جزء أساسي وعميق من المشكلة يضغط على الوضع اللبناني بأسره”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
