#adsense

وهبه قاطيشا: الأزمة النووية الإيرانية تهدد الاستقرار الاقليمي والدولي

حجم الخط

الأزمة النووية الإيرانية تهدد الاستقرار الاقليمي والدولي

كتب وهبه قاطيشا في "النهار": "يشكل الثنائي الايراني: نجاد – نووي خطرا جادا على الاستقرار الدولي "هذا ما تردده بعض وسائل الاعلام العالمية، نقلا عن تصريحات عدد كبير من المسؤولين الدوليين وفي مقدمهم معظم المسؤولين الاميركيين، مستندين الى وقائع عدة اهمها: ضبط ايران منذ اكثر من اربع سنوات تعمل سرا على الحصول على بعض التكنولوجيا النووية خلافا للمعاهدات الدولية التي ابرمتها سابقا، تطوير اسلحة صاروخية بعيدة المدى لا فائدة منها ان لم يكن الهدف نقل اسلحة دمار شامل لآلاف الكيلومترات، محاولة الاسرة الدولية منذ اربع سنوات اقناع ايران بالكشف عن نشاطها النووي ولكن من دون جدوى… وسواها من الأدلة التي تبعث على الشك في ان طهران تحاول سرا الوصول الى امتلاك سلاح نووي، وخصوصا ان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد لا يدع مناسبة الا ويهد فيها اسرائيل بالزوال، كما يبشر الولايات المتحدة الاميركية بالهزيمة الكبرى اذا ما تعرضت لايران بأي سوء.

حاولت الاسرة الدولية حل المسألة النووية الايرانية بالتفاوض، فكلفت الثلاثي الاوروبي: المانيا، فرنسا وانكلترا اجراء حوار مباشر مع طهران للوقوف على وضعها النووي الحقيقي وايجاد حل للازمة المستجدة. لكن الثلاثي المذكور فشل في اخراج طهران من غموضها، فرفع ملفها النووي الى مجلس المحافظين المكون من 53 دولة لمعالجة المسألة؛ وفشل هذا الاخير بدوره ورفع المسألة النووية الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي فشلت بدورها ايضا في التعرف على اسرار البحوث النووية الايرانية، ليصل الملف في نهاية المطاف الى مجلس الامن الدولي الذي فرض عقوبات متدرجة وعلى مراحل على ايران، بسبب عدم تعاونها مع الوكالة المذكورة. وتستمر الازمة النووية الايرانية تهدد الاستقرار الدولي، لان ملف العمل العسكري الاميركي ضد ايران موجود باستمرار على طاولة الرئيس الاميركي جورج بوش، والعمل العسكري الاسرائيلي ضد طهران وارد في اي لحظة اذا تقاعست الاسرة الدولية عن ردع ايران سلما او حربا عن امتلاك سلاح نووي. فهل تمتلك اسرائيل مبررا لعملها العسكري المحتمل ضد ايران؟ وهل هي قادرة على تدمير المنشآت النووية الايرانية؟ واذا كان ذلك صحيحا فمتى يمكن توقع الضربة العسكرية لايران؟ واخيرا ما هو السيناريو الاكثر احتمالا لتلك الحرب؟

أمن اسرائيل في خطر؟

للمرة الالى في تاريخها تجد الدولة العبرية نفسها مهددة بالزوال كما يصرح بعض قادتها، وذلك بسبب الاطماع النووية الايرانية، وتصريحات الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد. لذلك فمبررات حربها ضد طهران نابعة اولا من تهديد هذا الاخير لها بازالتها عن خريطة الشرق الاوسط. اضف الى هذا التهديد حالة الحرب الدائمة بين الدولتين والمستمرة منذ ثلاثة عقود، وخصوصا ان الدولتين تخوضان حربا مفتوحة عبر منظمة "حماس" الفلسطينية في غزة او عبر "حزب الله" في جنوب لبنان. هذه العناصر تعتبرها تل ابيب مبررات كافية للرد على طهران وضرب منشآتها النووية. ويبقى السؤال: هل الدولة العبرية قادرة على توجيه ضربة قاضية للمنشآت النووية الايرانية؟

طبعا لا تمتلك تل ابيب الوسائل العسكرية الضخمة بالمقارنة مع تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الاميركية في الجوار الايراني، لان تدمير المنشآت النووية الايرانية يتطلب استخدام مئات الطلعات الجوية يوميا من طائرات متنوعة الطاقات والامكانات لفترة قد تمتد الى اسبوعين، كما ان التدمير يوجب استخدام قنابل خاصة عملت الولايات المتحدة الاميركية على تطويرها منذ سنتين لهذا الغرض، اضافة الى البعد الجغرافي الذي يصل احيانا الى زهاء الفي كلم عن بعض المنشآت، كذلك الحواجز الجغرافية التي تفرض على الدولة العبرية التحليق في أجواء بلدين عربيين على الاقل: اما الاردن والعراق او الاردن والسعودية للوصول الى الاجواء الايرانية، الامر الذي ترفضه قطعا الدول الثلاث؛ لكن اسرائيل يمكنها عبور هذه الاجواء بعد التشويش على وسائل رصد هذه الدول. اذا ماذا يمكن اسرائيل ان تفعل اذا قررت ضرب المنشآت النووية الايرانية؟

نقلت وسائل الاعلام الغربية منذ زهاء عام ان اسرائيل عملت بالاتفاق مع الولايات المتحدة الاميركية على اطالة شعاع عمل اسطولها الجوي الذي يستخدم في قصف الاهداف المعادية. وبما انه لا حاجة بتاتا لاسرائيل لاطالة مدى ذراعها الجوي اذا كان صراعها مقتصرا مع محيطها العربي الذي يقع في مدى اسلحتها الجوية التقليدية، لذلك يجمع المراقبون العسكريون على القول ان الهدف الاكيد من اطالة الذراع العسكري الجوي الاسرائيلي هو ضرب المنشآت النووية الايرانية كما ان واشنطن زودت السلاح الجوي الاسرائيلي بالقنابل الجديدة التي عملت على تطويرها منذ اعوام لاستخدامها ضد المنشآت النووية الايرانية المبنية بمعظمها تحت الارض تفاديا لاي قصف جوي تقليدي.

ولم تقتصر الاستعدادات الاسرائيلية على تطوير امكانات اسطولها الجوي فحسب، بل ذهبت الى ابعد من ذلك. فوسائل الاعلام الغربية نقلت منذ زهاء عامين بأن وحدات النخبة في الجيش الاسرائيلي تتدرب على تدمير منشآت مشابهة للمنشآت النووية الايرانية اقامها الجيش المذكور في صحراء النقب.

واخيرا لا آخرا فاسرائيل تمتلك ثلاث غواصات يمكنها حمل رؤوس نووية وتصل بسهولة الى بحر العرب والخليج العربي والمحيط الهندي المحيطة كلها بايران، باستطاعتها التدخل لمصلحة العمليات العسكرية المتوقعة لاستقبال قوى النخبة البرية على الاقل اذا ما نفذت هذه القوى مهمات محددة في ايران، كما يمكن هذه الغواصات القيام بعمليات هجومية ضد المنشآت النووية الايرانية اذا اقتضت الضرورة.

بالتأكيد تبقى العملية العسكرية الاسرائيلية اقل فاعلية من اي عمل عسكري تقوده واشنطن ضد طهران. لكن بالمفهوم الاستراتيجي الاسرائيلي فان تل ابيب تعتبر تنفيذ العملية امرا لا بد منه عندما تفقد الامل من اي عمل ديبلوماسي او عسكري اممي او اميركي يردع ايران ويمنعها من امتلاك سلاح دمار شامل. كما تعتقد تل ابيب بأنها، وان لم تنجح كليا في تدمير المنشآت النووية الايرانية، الا انها قادرة على الاقل على ضرب الاهداف الاكثر حساسية وتعطيل البرنامج النووي الايراني وتأخيره لسنوات عدة.

هذه باختصار بعض الامكانات العسكرية الظاهرة التي تتحكم في العمل العسكري الاسرائيلي ضد ايران، يضاف اليها قيام اسرائيل مطلع شهر حزيران بأكبر مناورة جوية في تاريخها شرق البحر المتوسط، بحيث ضمت اكثر من مئة طائرة من طراز "أف 16" و"اف 15" وصفتها مجلة "التايمز" الاميركية بانها مناورة تدريبية لضرب المنشآت النووية الايرانية. ويبقى السؤال: هل يرتبط العمل العسكري الاسرائيلي المرتقب بمحطات زمنية؟
بالتأكيد لن تقدم اسرائيل على ضرب ايران قبل استنفاد المهل الدولية الديبلوماسية والعسكرية التي تفصل ايران عن امتلاك السلاح النووي.

فاسرائيل تراهن اليوم على الديبلوماسية الاممية لمنع ايران من تخصيب الاورانيوم. واذا ما استنفد العمل الديبلوماسي فان اسرائيل تراهن على عمل عسكري اممي او اميركي منفرد. واذا احجمت الاسرة الدولية ومعها واشنطن عن القيام بهذا العمل، فلا يبقى امام اسرائيل، حسب مفهومها الاستراتيجي، الا الاقدام على عمل عسكري منفرد ضد ايران ايا كانت نتائجه بالنسبة الى الدولة العبرية، حتى ولو لم يؤد ذلك الا الى تأخير المشروع النووي الايراني.

والاستراتيجية الاسرائيلية هذه تستند الى محطتين ايرانيتين: المحطة الاولى هي الرهان على تغيير داخلي ايراني باستبدال الرئيس محمود احمدي نجاد "المتهور" برئيس آخر اكثر واقعية في ربيع عام 2009؛ اما المحطة الثانية الأكثر حسما فتتلخص بحرق ايران لمراحل التخصيب واقترابها من امتلاك السلاح النووي؛ عندها لن يبقى امام اسرائيل سوى الاسراع والعمل بمفردها متخطية كل المراحل الاممية او التغييرات الداخلية الايرانية لتنطلق بمفردها بعمل عسكري ضد المنشآت النووية الايرانية.

موازين القوى بين اسرائيل وإيران

يبقى السؤال الاهم: ما هو السيناريو الاكثر احتمالا لهذه الحرب المتوقعة؟
قبل الخوض في تفاصيل السيناريو الاكثر احتمالا يستحسن عرض موازين القوى بين الدولتين:

• القوات البحرية: تمتلك ايران قوات بحرية كلاسيكية تعمل على مقربة من الشواطئ الايرانية الممتدة على مسافة 2400 كلم في الخليج العربي، بحر العرب والمحيط الهندي؛ كما تمتلك غواصات كلاسيكية تقتصر مهمتها على تأمين حماية الاسطول التجاري الايراني على بعد مئات الكيلومترات من شواطئها لا يمكن هذه القوات والغواصات الابحار بعيدا وتهديد شواطئ اسرائيل.
في المقابل تمتلك اسرائيل ثلاث غواصات تحمل اسلحة نووية وصواريخ "كروز" يمكن اس
تخدامها ضد النمشآت النووية الايرانية بمساعدة القمر الاصطناعي الاسرائيلي، الذي يرصد باستمرار التحركات العسكرية الايرانية.

• القوات الجوية: لا مجال للمقارنة بين الاسطولين الجويين الايراني والاسرائيلي. فالايراني لا يمكنه بلوغ الاجواء الاسرائيلية، كما يفتقر الى قطع الغيار والتحديث منذ ثلاثة عقود ليستحيل عليه اعتراض الطائرات الاسرائيلية المغيرة؛ ويبقى الغامض الوحيد على المحللين العسكريين هو نوع الصواريخ الايرانية المضادة للطائرات وتقنيتها. غير ان تل ابيب لن تقدم على مهاجمة ايران ان لم تكن متأكدة من ان دفاعاتها الجوية مشلولة كليا. في المقابل تملك اسرائيل اسطولا جويا من مئات الطائرات المزودة بأحدث الاسلحة والقنابل الذكية التي يمكنها بلوغ الاجواء الايرانية بعد ان اجريت عليها تعديلات كبيرة.

• القوات البرية: لا مجال لتدخل قوات برية كلاسيكية بأحجام ضخمة في هذا الصراع. فالدولة العبرية قد يكون بمقدورها نقل بعض قوات النخبة بطريقة ما الى داخل ايران لتدمير اهداف نوعية ومن ثم سحب هذه القوى؛ بينما يستحيل على ايران ادخال وحدات عسكرية ايرانية الى داخل اسرائيل؛ لكن في المقابل يمكنها اطلاق مئات الصواريخ الباليستية في اتجاه اسرائيل واستخدام منظمة "حماس" في قطاع غزة و"حزب الله" في لبنان لتأمين رد عسكري ما على الارض الاسرائيلية.

السيناريو الأكثر احتمالاً

بعد عرض موازين القوى بقي ان نسأل: كيف تحصل الحرب؟

• المرحلة الاولى، ابعاد الخطر الايراني وتدمير الصواريخ: يهاجم سلاح الجو الاسرائيلي الاهداف الايرانية التي تشكل الخطر الداهم على اسرائيل، اي قواعد الصواريخ البعيدة المدى ومنصاتها ومراكز القيادة والسيطرة لهذه الصواريخ بهدف شلها وتدميرها والحد من قدرة ايران على اطلاقها في اتجاه اسرائيل. وتبقى ايران قادرة على استخدام صواريخ "حزب الله" لقصف اهداف في العمق الاسرائيلي. لذا فان الحزب قد يكون اول الاهداف التي قد تضربها اسرائيل؛ وقد تذهب بعيدا للقضاء على الحزب قبل تنفيذ المرحلة الاولى لازالة خطره نهائيا قبل تنفيذ ضربتها ضد ايران. من هنا تأتي نظرية خطورة سلاح الحزب على لبنان.

• المرحلة الثانية، القصف التدميري: بعد شلّ القدرات الصاروخية للجيش الايراني ينتقل سلاح الجو الاسرائيلي الى قصف مراكز القيادة والسيطرة للجيش الايراني، والمنشآت النووية والبنية التحتية العسكرية والمدنية الايرانية في ظل سيطرة جوية اسرائيلية مطلقة، وفقا لبرنامج معد سلفا لتلك الاهداف. هذا القصف قد تواكبه عمليات برية محدودة لوحدات من النخبة تسللت سلفا الى الارض الايرانية لتدمير بعض المنشآت التي يعجز القصف الجوي عن تدميرها؛ كما تطلق الغواصات الثلاث الاسرائيلية المحيطة بايران صواريخ "كروز" الجوالة لضرب بعض الاهداف النووية وغيرها داخل ايران.

• المرحلة الثالثة: تعهد الحرب: بعد استيعاب الضربة العسكرية تحاول ايران قصف آبار النفط في بعض دول الخليج لتعطيلها، كما تحاول اقفال مضيق هرمز وبالتالي ارباك عملية امداد دول العالم بهذه المادة الحيوية، فيتدخل الاسطول البحري الاميركي لمنع اقفال المضيق وحصر المواجهة عسكريا بين اسرائيل وايران، التي تعلنها حربا مفتوحة لضرب الاهداف الاسرائيلية بوحدات كومندوس في انحاء مختلفة من العالم.

… سيناريو محتمل لحرب متوقعة في منطقة تزدحم بعوامل التفجير. انه "ابوكاليبس" جديد في منطقة زاخرة بالغنى والتناقضات

العميد وهبه قاطيشا

 

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل