يتحمّل "العقل الزحفيّ" مسؤولية تاريخية أساسية لجهة ما لحق بالشعب الفلسطينيّ من عذابات منذ أيّام النكبة الكبرى وإلى اليوم. فهذا العقل الزحفيّ عمل في الأساس على كبح تطور النزعة الكيانية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية في النصف الأوّل من القرن الماضي، ولعب دورين أحدهما تبريريّ وثانيهما تسهيليّ لأعمال الترحيل القسريّ عام 1948. ثم أدى العقل الزحفيّ دوراً تخريبياً في مواجهة إنبثاق الحركة الوطنية الفلسطينية الثانية في الستينيات كحركة ترى إلى القضية الفلسطينية أساساً كقضية لاجئين، بل أنّ "العقل الزحفيّ" زايد في أواخر الستينيات على المارد الكبير جمال عبد الناصر وعلى الناصرية، وكان له باعٌ أساسيّ في نكسة حزيران 1967. لاحقاً، كان النضال الفلسطينيّ يتطوّر بمقدار ما كان ينجح بالتحرّر من ثقل "العقل الزحفيّ" وأوهامه الخبيثة المدمّرة، التي كان بعضها يسوّق لنفسه تحت رطانة "ماركسوية عالمثالثية" على طريقة "حرب الشعب الطويلة الأمد" وما إليها.
وما كادت الشعوب العربية تتعافى من غلواء "العقل الزحفيّ" على امتداد السبعينيات، حتى أعيد إنتاج هذا العقل الزحفيّ مجّدداً من قبل نظامين: نظام صدّام حسين في العراق، ونظام الملالي في إيران. الأنظمة الأخرى كان يمكن إدانتها في الكثير الكثير من الأمور، إلا أنّها تكاد تكون جميعها، قد تطهّرت من "العقل الزحفيّ"، وكذلك القضية الفلسطينية بدت مع إنتفاضة الأراضي المحتلة في أواخر الثمانينيات أبعد ما يكون عن إسار "العقل الزحفيّ" هذا، ولو أنّ القيّمين عليها في ذلك الوقت عادوا وارتكبوا خطأ مجاراة نظام صدّام حسين بعد اجتياح الكويت، انطلاقاً من أوهام "العقل الزحفيّ" نفسه.
أمّا "العقل الزحفيّ" على الطريقة الإيرانية، فلم يأخذه أحد من العرب على محمل الجدّ لا في الثمانينيات ولا في التسعينيّات، وحتى بعد تحرير الجنوب اللبنانيّ في أيّار 2000، وبقي "يوم الأرض" الفلسطينيّ أعظم ألف مرة بالنسبة الى الشعب الفلسطينيّ من أي يوم بديل تقترحه الإدارة الأيديولوجية الإيرانية على الشعب الفلسطينيّ. حرب تمّوز أيضاً، على أهمّيتها الإستثنائية لجهة جعل خيار "المصادرة الإيرانية" للكفاح العربيّ خياراً جدّياً أساسياً في آلية إنتاج الإمبراطورية الإقليمية الإيرانية، لم تستطع مع ذلك أن تعطي لـ"العقل الزحفيّ" على الطريقة الإيرانية الجدّية التي يحتاجها لمخاطبة الوجدان العربيّ.
ثم أنّ العقل الزحفيّ عقيم، لا ينتج أدباً ولا شعراً. والأدب الفلسطينيّ تطوّر في الأساس على قاعدة مناقضة "العقل الزحفيّ"، وبشكل أساسيّ من خلال إبداع نماذج العائدين تسّللاً إلى فلسطين، وأعظمهم "متشائل" الروائيّ الكبير إميل حبيبي، الذي كان كذلك الأمر أحد أهم من فهم حقيقة الصراع العربيّ الإسرائيليّ وبالدرجة الأولى مسؤولية "العقل الزحفيّ" في التسبّب بالنكبة الفلسطينية، وفي جعل منطقة الشرق الأوسط تعجّ بكل هذه الأحقاد وبكل هذا الإستعصاء لحل القضايا التي لا تقوم عدالة إلا بحلّها.
بخلاف روائع الأدب الفلسطينيّ، بقي العقل الزحفي العقيم يستند إلى الربط بين صورتين. صورة "الزحف المقدّس" التي طبعت كل الحركات القومية المعاصرة في أوروبا منذ الزحف الكبير لأنصار الثورة الفرنسية في موقعة "فالمي" لمواجهة جيوش النظام القديم. وصورة فتح "يشوع بن نون" لأرض الميعاد في التوراة. بمثل هاتين الصورتين المستجمعتين، أراد "العقل الزحفي" أن يفسد القضية الفلسطينية، وتعقيداتها التاريخية، وبشكل أساسيّ تطوّر هذه القضية كقضية مزدوجة منذ أيّام النكبة وإلى اليوم، أي كقضية لاجئين من جهة، وقضية بحث عن كيان من جهة أخرى، وليس أبداً كقضية إنتظار وتحيين للزحف المقدّس الكبير الذي يعيد فتح الأراضي المحتلّة على طريقة يشوع بن نون في التوراة.
واليوم، في لحظة إنحدارها، وتشقّقها، وعشية تخلّعها فتشظّيها فسقوطها المدويّ الكبير، تحاول "منظومة الممانعة" لاهثة، فاقدة لأعصابها، أن تنتشل "العقل الزحفيّ" من سباته، أي من قبره، علّها به تنقذ صورتها ونفسها أو تحرف القضية أو تعكر صفو الضمير، إلا أنّ هناك عناصر كثيرة في المشهد الحالي كافية للتوقّع بأنّ ما تفعله "منظومة الممانعة" في محاولتها اليائسة لبعث "العقل الزحفيّ" لن تأتيها بثمار أفضل من تلك التي جناها التعيس غينادي ياناييف يوم حسب أنّه يمكن إنقاذ "الإتحاد السوفياتي" بالإنقلاب على آخر زعمائه ميخائيل غورباتشيف. هنا أيضاً يطوف شبح غينادي ياناييف، يريد تحريك "العقل الزحفيّ"، ولا يمكنه أن يدرك أنّ ذلك لن يكون كفيلاً إلا بتعجيل.. عجلة التاريخ!