
لا أريد أن أبكي، أهرع إلى أرض دمعي وأبتلعها. لا أريد أن أبكي، أريد أن أغضب بجنون. لا أريد أن أبكي يا مدينتي، أنا مقاومة، أنا قوية، أنا شجاعة، لن أنهار. لا أريد حتى أن أدمع، أنا مؤمنة، أنا لبنانية حلوة من بلدي الحلوة، من الضيعة، من بيروت، من أرض الرب والقديسين والشهداء. أنا ابنتك بيروت، وأريد أن أمرمغ وجهي بآلامك وأضحك. سأضحك غصباً عن إرهابهم، فأنا قوات لبنانية ودمغتي النضال والمقاومة وحب هذه الأرض ومواجهة شياطينها و… مش رح إبكي!
يا بيروتي، يا حبيبتي، أريدك أن تعودي أحلى مما كنتِ، وأعرف أنهم لا يريدون، لذلك أحمل وجعك وأعلن عليك الحب والمقاومة والنضال حتى النصر، وليس حتى النهاية. لا نهايات عندنا، بل بدايات متواصلة وقيامة مع المسيح. هكذا قال القواتيون لبيروتهم في ذاك الاحتفال في ساحة المرفأ في الذكرى الأولى على التفجير الإرهابي للمرفأ.
نحن لا نقيم مهرجانات تضامن هيك للتضامن قولاً، ولا نصعد الى المنابر لنلقي الوعظات والكلمات، ومن ثم ندير ظهورنا لنقول “إننا تضامنا”! لا، نحن لا نتضامن مع آلامك بيروت، نحن نعيش الألم ذاته،. نتألم، نصرخ، تقع منا أطرافنا وقلبنا، كما حصل معك تماماً، فنهرع إلى لملمة أشلائنا ونبدأ بالتضميد. نحن ناس العمل يا بيروت، كما أثبتت لك تلك السنة اللعينة الراحلة، ناس العمل وليس الخطابات يا حلوة الشرق، يا قطعة قلب منّا مفلوشة على ذاك الشاطىء الذي صار أحمر بلون دماء أبنائك.
وحياة لـ راحوا رح تتحاكموا، وحياة لـ راحوا ويللي صاروا مش الحنين، بل صاروا صرخات الغضب في ضمير هذا العالم، رح تتحاكموا، قال القواتيون لطغاة هذه الارض. “لبيروت الأبية ألف تحية وتحية، لأرواح شهدائها ألف صلاة وصلاة”، قال الحكيم لبيروته الرامشة على غروب المساء، وعلى وجوه الأحبة السابحة في أرض المكان وسمائها.
والله كانوا هنا معنا، في ساحة المرفأ تلك. هم أساسا لم يرحلوا بعد من أرض المجزرة، لأن العدالة حتى اللحظة لا تزال ذبيحة مثلهم. كانت صرخاتهم واضحة أقوى من صرخاتنا. كانت وجوههم هنا هائمة معنا فوقنا، كانت أرواحهم رابضة فوق غول اللاعدالة، الذي حام موتاً جديداً، تفجيراً آخر، إرهاباً متجدداً فوق بيروت وضحايا بيروت. “بيروت بما تلقاه من إنكار وتبرُّؤ وغسل أياد من دماء شهدائها، تُغتال مرتين” قال الحكيم بغضب وتأثر واضحين.
وحياة لـ راحوا رح تتحاكموا، حمل القواتيون الشعار على أعلامهم، ونزلوا من زحلة وبعبدا وبيروت إلى ساحة المرفأ، ولبُّوا نداء القيادة للمشاركة في تلك التحية، ليس ليملأوا الساحات من حضورهم، بل محاولة لإعلان حبهم للمدينة وناس المدينة وشهداء المدينة، وأيضا في محاولة جدية للفت أنظار العالم للدفع باتجاه تحقيق العدالة، والسماح للقاضي فادي بيطار باتمام مهمته المقدسة في رفع الحصانات والتحقيق مع المتهمين.
وإلا، “فإلى كل أم ثكلى وكل أب فقد ابنة أو ابناً، وإلى كل ابنة وابن يتَّمتهما لحظة غادرة تختصر سنوات من الاستهتار والتّآمر، إلى كل أخت وأخ وكل حبيبة وحبيب، قضيّتكم قضيّتنا. لن نتخلى عنها مهما كلّف الأمر وطال الزمن، لا سيما بعدما أظهره المحقق العدلي من جدية. أما إذا حاولوا إحباطه وإفشاله، فإن ورقة التحقيق الدولي ستبقى في يدنا ونواصل السعي لبلورتها من دون كلل أو ملل للوصول، إلى ما يرضي الشهداء في سمائهم”، وعدهم الحكيم، أو لنقل توعّدهم، وهو تهديد بالحقيقة والحق مشروع، حين يكون الهدف العدالة لأجل الشهداء، لأجل بيروت.
لم تكن وقفة تضامنية، ولا شعاراً نرميه في هواء الإعلام أو الاستهلاك الشعبوي. وحياة لـ راحوا رح تتحاكموا، ويمشي القواتيون بشعارهم حتى النهاية، حتى أقاصي الارض، حتى النصر، “الى المسؤولين عن انفجار المرفأ، إهمالاً أو فعلاً، شراكة أو تواطؤاً، مهما تهرَّبتم، ومهما تحوَّرتم، ومهما تنصَّلتم، ومهما تبرَّأتم، ومهما حاولتم عرقلة العدالة، وحياة يللي راحوا، رح تتحاكموا”، قال الحكيم في ختام كلمته للرفاق والعالم، ووضع نقطة على سطر الكلام. هي ليست وعوداً طائرة في الفراغ، ولا خطاباً انتخابياً، هو وعدٌ بدأ تنفيذه منذ اللحظة عبر مكاتب حزب القوات اللبنانية ودائرته القانونية في لبنان والاغتراب.
توالت الكلمات، وكلها من صميم صميم الألم والمواجهة. صرخ الشاعر حبيب أبو أنطون، “لا تفزعي من الموت يا بيروت إنتِ متل الله ما بتموتي…هني باعوا بلادنا بشطبة قلم ونحنا اشترينا بلادنا بشطبة صليب”. “ولك صليبنا وعلمنا وهلالنا وبيروتنا ولبناننا على درب الجلجلة منحملو على راحات القلب، هيدي أرضنا وهودي شهدائنا”، قالت إحدى الرفيقات المشاركات في المسيرة.
ولمّا بدأ المساء يفلش أول شعاع الليل، ذهب كل منهم الى بيته، إلى حاله. كانوا يبتسمون، ليش والدني هالقد زعلانة؟، “ولو يا فيرا ما سمعتي حكي الحكيم؟ ما سمعتي شو قالت مي شدياق؟ نحنا منقاوم بكل ل منقدر عليه ومنترك الباقي ع ربنا، وربنا مش رح يتركنا ولا رح يترك أهالي الشهدا، أوعا تزعلي أو تبكي”، قال أحد الرفاق وذهب، وأنا خجلت من حزني الدفين.
قلت لك يا بيروت لن أبكي، وفعلت. لن أحزن، وفعلت. لن أستسلم و… لم أستسلم. لا أزال أعيش الأمل لأني أملك شجاعة المقاومة، وثمة من يدفشني إلى كل ذلك، رفاقي في القوات اللبنانية، مي شدياق تلك المناضلة الشرسة، الحكيم، الذي ينتشل منا دائماً كل يأس لنبقى دائماً في النضال لأجل بيروت والشهداء، لأجل كرامتنا الانسانية… ومش رح إبكي، وها أنا أبتسم.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.
