#dfp #adsense

“Ground – 0″… من رحم الألم تبني الأمل

حجم الخط

كان جنون الموت يعصف بالمكان. لم تكن تلك بيروت، بل أرضاً منكوبة، او أبعد بعد بكثير من ذاك التوصيف الباهت. أرض ما عادت أرضاً، ولا هي سماء ملبدة، ولا حتى ساحة حرب، صارت بيروت الجريمة، بيروت الهول المتجسّد حياً بالأشلاء، بيروت الوحوش الكاسرة حين تلتهم وتشلّع آخر معاقل الانسان. كان 4 آب، والكلام حتى اللحظة يعجز عن وصف انفجار الموت فينا. قالوا فيها بيروتشيما، ونحن نقول هو الجحيمشيما، هو الاحتلال شيما، هو سلطة التمزيق شيما.

نترك الكلام عن المشاعر والتجربة الشخصية لكل منا إلى مقالات أخرى، وحيث إلياذات العالم كله، العالم كله، تعجز عن وصف ما كان وما حصل. لكن ما حصل بعد ذاك الهول، يُكتب عنه أيضاً في دفاتر الإنسانية والتعاضد البشري الذي قل نظيره، في وطن قيل عنه إن الإنسان فيه مات في ظل سلطة أدمنت القتل والتنكيل.

الكلام هنا عمَّا يخصّنا تحديداً، نحن القوات اللبنانية، ناس الوجع والمقاومة والاستشهاد والصمود. الصمود في وطن حتى اللحظة لم يفعل سوى الإمعان في اضطهادنا وتعذيبنا. نحن المواطنون أبناء هذه الأرض، سنحكي وهيك بفخر مشوب ببعض الخجل عن بعض ما تمكنا من فعله، والكثير الكثير مما لم نقدر أن نفعله، وحاولنا من خلاله انتشال بعضاً قليلاً من أشلاء الوجع غير الموصوف، الذي لبسته بيروت في أرض الإرهاب تلك. أحكي عن جمعية Ground-0.

حين وقع التفجير الإرهابي، لم يستوعب إنسان في لبنان هول ما حصل. بقينا لأيام نتلمّس أجسادنا، نحن من نجونا بأعجوبة الرب، لنصدِّق أننا لم نصب بأذى، وأننا لا نزال أحياء. من نجا عاش ألف عام إضافي، ووحدها إرادة الرب حمت لبنان من الهول الأكبر، الذي كان مزروعاً بين حنايا بيروت، وإلا لتجاوز عدد الضحايا الآلاف الستة، ما يقرب من عمر لبنان في التاريخ.

في 8 آب 2020، قام رئيس حزب “القوات” سمير جعجع بزيارة أرض النكبة، مار مخايل والأشرفية والجوار. لم تكن مجرد زيارة تفقدية وإلقاء خطاب تضامني رنّان. لا يريد أهل بيروت سماع صوت أي مسؤول، فقدت بيروت ثقتها بالعالم كله، صار الآخر مهما يكن هو العدو. كانت بيروت تريد أعمالا، تريد عدالة، تريد إنساناً يبلسم فعلاً الجراح، لا مسؤولين كذبة يتهافتون على الإعلام حباً في الظهور، ولإطلاق وعود كاذبة كما حصل.

كانت زيارة جعجع للإعلان عن مؤسسة ولدت من رحم الألم في لحظتها، وهدفها المساهمة في مساعدة المنكوبين من الإنفجار. أعلن الحكيم عن إطلاق لجنة إغاثة بيروت، التي تألفت من مجموعة كبيرة من شباب وصبايا اختصاصيين، هدفها المساهمة بإعادة الإعمار وترميم القليل من ذاك الوجع الكبير.

ومذ تلك اللحظة انطلقت الورشة الكبيرة. نزلن شبابنا إلى الشوارع المنكوبة ليرفعوا بعضاً من ركام الموت ذاك. لم نكن وحدنا في الساحات بالتأكيد، شباب وصبايا من كل لبنان، من مؤسسات إنسانية ودينية واجتماعية ومجتمع مدني، نزلوا جيوشاً إلى أرض النكبة، وبدأوا العمل لرفع الأضرار ومساعدة المنكوبين في الاتجاهات كافة، في ورشة تعاضد لم يشهدها لبنان في تاريخه الحديث.

منذ اليوم الاول، بدأت جيوش شبابنا وصبايانا بالعمل مع آلاف آخرين، حملوا المكانس والمعاول وكل الحب، وعملوا على إزالة الردم وإغاثة المتضررين، عبر تأمين بيوت وغرف لإيوائهم، وتزويدهم بالاحتياجات الطبية الأولية بالتعاون مع مستوصف الأرز الطبي، إضافة الى توفير مواد غذائية وألبسة.

“كانت من أصعب المراحل على الإطلاق، إذ كيف تلملم دماراً بهذا الهول؟ ومن يستطيع مسح دموع صارت جمراً على وجوه الحزانى؟. كان لازم نعمل أي شي يساهم برفع كل هالوجع، ومن هون انطلقنا بأكبر حملة تبرعات لترميم أكبر عدد ممكن من المنازل”، تقول دكتور مي شدياق رئيسة جمعية إغاثة بيروت.

وتشير، إلى أنه “بعد انتهاء مرحلة الإغاثة والانقاذ، بدأت فرق هندسية متخصصة بمعاينة المنازل ومسح الأضرار وتقييمها، وأطلقت القوات حملة تبرع إلكتروني. كانت أكبر ورشة عمل أطلقتها القوات في وقت كان الضياع مسيطراً على الجميع، وكان يجب القيام بشيء ما. ومن المستحيل، بدأنا ننتشل أملاً ما لمساعدة الناس”.

وتضيف، أن “Ground-0 تعاونت في أعمال الترميم مع جمعية “Steps of Hope”، وأنهت ترميم أكثر من 510 منازل، بالإضافة إلى ترميم بعض المحال التجارية. ولاحقاً، تم ترميم مبنى الجامعة اللبنانية ـ الفرع الثاني في كرم الزيتون، بتمويل خاص من الوزير السابق كميل أبو سليمان”.

“لم يتفرج اللبنانيون على وجع وطنهم، بل مدُّوا أياديهم الخضراء في كل الاتجاهات”، تؤكد شدياق، إذ “لم تقتصر تبرعاتهم على الأموال فقط، بل شملت أيضاً أدوات منزلية وكهربائية ومفروشات. كما سعت “Ground-0″ في الوقت ذاته، إلى تزويد المتضررين المحتاجين بحصص غذائية واحتياجات للأطفال، وشملت المساعدات حتى اليوم ما لا يقلّ عن 1000 عائلة، وتم التعاون مع جمعيات وتلقينا تبرعات من سفارات عدة”.

وتضيف، “وزعت أيضاً كميات من الحليب ولوازم الأطفال على العائلات، كما استطاعت اللجنة تأمين أطنان من الملابس من خلال المغتربين تم توزيعها على دفعات، بالإضافة إلى تجهيز مطبخ لتحضير الطبق اليومي في الأيام الاولى، بالتعاون مع مبادرتَيْ “ساعد تسعد” و”أشرفية 2020″”، مشيرة إلى أنه “بالتواصل مع معهد التعليم المهني والتقني في الدكوانة، تمكَّنّا من تأمين 400 طبق يومياً لأكثر من 3 أشهر”. علماً أنه قبل نحو شهرين، أعلنت ground_0 عن إعادة ترميم 100 وحدة سكنية إضافية بعدما توافرت لأجلها الاموال اللازمة.

“أنا عوني وتدمَّر بيتي بـ مار مخايل، وصلوا لعندي شباب القوات، عملوا مسح وقالوا منرجع بعد 10 أيام. ما سألوني لا عن انتمائي ولا عن طائفتي. بالأول قلت رح يعملوا متل غيرن، يجوا ينضفوا ويعطوا مواعيد ويفلّوا، لكن بعد 10 أيام رجعوا وبلَّشوا الشغل وسلَّموني بعد شهر بيت جديد أفضل ألف مرة مما كان عليه. انصدمت، بس حسَّيت عن جد إنو في إنسان بلبنان بيساعد إنسان آخر من دون أي غاية إلا المساعدة”، يقول ربيع ويخبر الجميع عن تجربته تلك.

لم يسأل الشباب عن هوى المتضررين، بل عن وجعهم. نزل الطلاب والمهندسون والتقنيون والحرفيون (السنكريي والكهربجيي ومعلّمين الورقة وغيرن)، من كل اختصاصات البناء والترميم وسواه، متطوعون لأجل بلادهم، تغمَّسوا في الغبار والردم وكل ذاك الحب، وعاشوا تجربة مؤلمة صحيح، لكن من بين الصلبان المتناثرة على حيطان بيروت المهدمة، كانوا يشهدون على قيامة ما، على مصلوب ينفض تراب القبر ليلبس ضياء الحياة ويعطينا حياة أخرى هدية.

وتقول شدياق، “صحيح أنه وبقدر الإمكانيات المتاحة تمكننا من تخفيف بعض المعاناة، لكني أعلم أن أي مساعدة هي غير كافية. والحكي هون على المستوى النفسي، لأن حالات الانهيار لا تزال كبيرة والمطلوب قبل أي شي هو تحقيق العدالة. لذلك لم نتوقف هنا، بل أطلقنا عريضة للمطالبة بتحقيق دولي بانفجار المرفأ، بناء على طلب الأهالي، وزار متطوعو “Ground-0″ الأهالي للتوقيع عليها وحصدت أكثر من 10000 توقيع بأسبوعين، وسُلّمت هلعريضة للمساعد الخاص للأمم المتحدة الذي سلّمها بدوره إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش”.

“وهون بقول للأهالي، اصمدوا، قضية انفجار المرفأ قضية حق، ونحن جميعاً بالتضامن وبالتكافل نحقق النتائج. ولولا نضال الأهالي لما تم تظهير القضية بهذه الصورة، فليبقوا متحدين من دون السماح لأحد باستغلال قضيتهم”، تصرخ شدياق.

وبعد؟ قلنا القليل عن انجازات استثنائية في أقل من سنة. لماذا نقول كل هذا؟ لا، ليس لنحكي عن حالنا ونتبجّح بأعمالنا، لم نفعلها يوماً أساساً، ولا فضل لنا بشيء، فهذه أرضنا وإرثنا وعمرنا، إنما علّنا نكون قدوة للمترددين. علَّنا نكون العدوى لمن يدمنون الكذب والخداع والمواقف الشعبوية. علَّنا نحن ومن فعل مثلنا وأكثر أيضاً، نكون صورة حلوة عن وطن. صحيح هو جريح مدمَّم، لكن ثمة من لا يسأل عن مقابل بل عن قلب انسان مكسور، فيشمّر عن سواعده ويصرخ مع رب الدنيا “ساعدوني تـ ساعدكن”، ونحن هذا ما فعلناه ونفعله.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل