كتب محمد بلوط في لصحيفة "السفير": لاهاي : السيناريو الأمثل لاعتقال الرئيس الليبي معمر القذافي، هو أن ينقلب عليه المقرّبون، أو أن يخونه المخلصون، ويوفروا على الليبيين مشقة الحروب وعذاباتها، ليسلموه إلى لويس مورينو أوكامبو.
المدعي العام في المحكمة الجنائية في لاهاي، متفائل بقرب استضافة زنزانة هولندية للرئيس الليبي، وقال لـ"السفير" إنه "يتوقع تسلمه بهذه الطريقة، قريباً، و"لكن إذا لم يحصل ذلك فهناك خيارات أخرى".
ومنذ ظهر أمس أصبح معمر محمد أبو منيار القذافي، المقيم في باب العزيزية، ونجله سيف الإسلام وصهره عبدالله السنوسي، طرائد العدالة الدولية "لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية".
"لدينا أدلة مباشرة"، قال أوكامبو لـ"السفير" : "معمر القذافي أمر بارتكاب فظائع وقتل مدنيين في بيوتهم وفي الساحات العامة. وقد وضعت قوائم بأسماء المعارضين الذين اعتقلوا في منازلهم، وجرى تعذيبهم، قبل أن يختفوا. في الساحات العامة اطلقوا النار على المتظاهرين بالأسلحة الثقيلة، وقتل القناصة الخارجين من المساجد بعد الصلاة".
أما سيف الإسلام القذافي "فلدينا ادلة تجريمية بحقه لتجنيده مرتزقة، وعبد الله السنوسي مجرم ضد الإنسانية لقيادته شخصياً، هجمات لقتل المدنيين خلال التظاهرات في بنغازي".
أما ملاحقتهم بجرائم ضد الإنسانية «فللأدلة على ارتكابهم اياها على نطاق واسع وفي معظم المدن الليبية، وبطريقة منظمة بلجوئهم إلى القوات المسلحة لتنفيذها».
وقد يلاحق الأرجنتيني اوكامبو آخرين، ولا تنقصه الرغبة في ذلك: "لم اقل أن هؤلاء الثلاثة، هم وحدهم المسؤولون عن ارتكاب الجرائم، ولكن إذا ما اوقفناهم تتوقف الجرائم، وفي هذا الوقت نجري تحقيقات في حالات أخرى".
وبرغم الملاحقات الدولية المعلنة، فإن مذكرات الاعتقال قد تكون خطوة إضافية للضغط على الرئيس الليبي لحمله على قبول عروض بمغادرة السلطة قبل فوات الأوان، وقبل أن يقوم القضاة في الأسابيع المقبلة بالتصديق على طلب مذكرات الاعتقال التي تقدم بها اوكامبو إلى قضاة لاهاي كي تصبح نافذة، وهم أحرار في رد الطلب أو قبوله أو طلب المزيد من الأدلة. وتجري مفاوضات في الظل، برغم الحرب، لترحيله إلى منفى في بلد لم يوقع على معاهدة المحكمة الدولية. لا شيء سوى براغماتية باردة لدى اوكامبو، ووضوح إزاء ازدواجية التعامل الدولي مع القذافي: زنزانة في لاهاي أو منفى ذهبي آمن من كل ملاحقة، قائلاً إن "على مجلس الأمن أن يجد طريقة تناغم بين التفاوض ومتطلبات العدالة. من جهتي أقوم بما عليّ من تجميع الأدلة، وتقديم ملفاتها إلى القضاة لاستصدار مذكرات الاعتقال، وهناك أطراف أخرى تدير المفاوضات وتنسقها مع مذكرات الاعتقال".
ولأوكامبو دوره في الثورات العربية، ولا يفعل في ملاحقة القذافي ونجله وصهره سوى "تقديم مساعدة المحكمة لإصلاح الأوضاع، وتغيير النظام في ليبيا «ذلك أن المحكمة وهاتفها يستقبل مكالمات لا تحصى من العالم العربي الثائر". ويقول "سيدهشك كم يتصل بنا عرب عبر العالم محاولين مساعدتي. العرب يتغيرون. العالم لم يتغير. وأعتقد أن من المهم أن نساعدهم".
وتضطلع قطر بدور أساسي في مساعدة المحكمة في التحقيقات والحصول على الأدلة وتجميع الشهادات والقرائن لديها لتقديمها إلى أوكامبو، بالرغم من أنها ليست من الدول الموقعة على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية."قطر لا يقتصر دورها على التحقيقات، إذ لها دور في المشاركة في قوات التحالف الغربي، وقد زرتها قبل أسبوعين"، يقول أوكامبو.
أما ما يجري في سوريا، فيعتذر أوكامبو عن قصر ذات يده "ازاء الكثير من المعلومات والبلاغات التي تلقيتها لكن ليس بوسعي أن افعل شيئاً للأسف". هل تلقيت معلومات جدية عن جرائم ارتكبت ضد المتظاهرين في سوريا؟ يجيب "لا أريد أن أعلق"، إذ لا صلاحيات قانونية للمدعي العام في إطلاق أي تحقيق من دون موافقة الدولة المعنية بالتحقيق أو طلب مجلس الأمن إحالة القضية إليه «إنه قرار يعود أمره إلى مجلس الأمن وحده، هو من يقرر إحالة القضية على المحكمة وأنا اقوم بالتحقيقات وجمع الأدلة، وليس لي أي صلاحية بشأن سوريا التي لم توقع على معاهدة المحكمة".
هل سنرى قريباً مذكرات اعتقال بحق ضباط وجنود ومسؤولين إسرائيليين جراء ما ارتكبوه من جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية في غزة؟ ابتسامة وتذكير بالقواعد، وجواب معلق لا ينفي الاحتمالات "هذه محكمة عدالة، عليّ أن أتبع القواعد، سأتخذ قراري بهذه القضية قريباً جداً، لأن الفلسطينيين أنهوا تقديم مرافعاتهم وحججهم إلى المحكمة منذ أشهر قليلة فقط".
يدفع المدّعي العام الدولي عن نفسه تهمة التباطؤ في تقديمه خلاصة مطالعته إلى القضاة، بإمكانية ملاحقة إسرائيليين أم لا، في الجرائم التي ارتكبت خلال عملية الرصاص المسكوب: "عندما جاء الفلسطينيون إلى مكتبي قبل عامين، طلبوا الحق بتقديم بعض التقارير التي يجب أن تقدم البراهين على أن أهتم بملف غزة، وقد استكملوا تقاريرهم منذ عهد قريب، اما التوقيت في إنهائها فيعود إلى السلطة الفلسطينية التي طلبت بعض الوقت".
لكن هناك أكثر من مصدر في المحكمة ينسب للمدعي العام الأرجنتيني عزمه انتظار شهر أيلول المقبل، ومراقبة ما إذا كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة ستعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة، فتمنح زخماً وشرعية ودعماً للمدعي العام لكي يصدر قراره. وهناك ريبة لدى البعض في أن يكون اوكامبو يفضل عدم الفصل في ملف متفجّر كملف غزة وجرائم إسرائيل، وأن يورث القنبلة الدبلوماسية خَلَفه، عندما يسلمه مفاتيح وملفات مكاتب الطابق الحادي عشر في مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لأوكامبو جواب واحد على التساؤلات مختصر: "قراري في غزة بعد أشهر".