#dfp #adsense

«الله معكن والعدرا تلفكن بتوبها»… وعادوا بالنعوش!

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1719

«الله معكن والعدرا تلفكن بتوبها»… وعادوا بالنعوش!

أم رزوق حكاية شمالية الهوى

في إطار واحد صور أربعة شبان. في إطار آخر صورة صبية بالبزة الزيتية. أم رزوق مَن الأكثر وسامة فيهم؟ «كلن حلوين كلن قطعة من قلبي». طيب مَن الأكثر شجاعة؟ «يقبروني هني الشجعان لأن اختاروا الموت ولا الذل يا ميمتي». تشيح فجأة بوجهها، تدخل غرفتها وتبدأ حوارها اليومي معهم «عادل شو عملت اليوم؟ جورج كيفك يمّي؟ جان رجعت ع البيت؟ ميشال ما تنسى الخبزات، تيريز قومي يمّي ساعديني بشغل البيت»… تعرفون أين هنا؟ هنا بيت الشهداء الخمسة. نعم خمسة شهداء في بيت واحد، وهنا في سلعاتا، يحكون عن بيت مدروز بحكايا البطولة، وبدمع إمرأة جبّارة أرسلت الى الجبهات ذات احتلال، زوجًا وأربعة أولاد من بين الـ تلاتعشر ولدًا الذين أنجبتهم، ويحكون الكثير الكثير بعد عن بيت الشهداء ذاك.

 

تجلس أم رزوق الى أريكتها المزركشة، تحمل إطارين، هذه صارت هويتها، صور الأبناء الشهداء. كيف يستوعب الناس حكاية مماثلة؟ كأنها حكاية من ملحمة ما، من أسطورة ما، من فائض خيال كاتب غزير الأفكار. وحده من عاش وعاصر وعلم ما فعله أبطال من لبنان لأجل بقاء لبنان، سيستوعب حكاية «أم رزوق»، وسيصدّق أنها واقع عاشته هذه الأرض التي تضرّجت بدماء أبطالها فعلاً، وليس في الشعر البطولي أو قصائد الغزل. كل منهم استشهد على جبهة مختلفة وبأوقات مختلفة.

بالتدرّج وبحسب مواعيد الإستشهاد، نبدأ بتعداد أسمائهم، عادل سلوم الزوج، شهيد حرب الـ1975 وهو لم يتجاوز الخامسة والخمسين من عمره، ومن بعده يأتي الأبناء الأربعة، جورج، جان، ميشال وشقيقتهم تيريز. «بين استشهاد بيي وخيي الأول 15 يوم، كانوا عم يقاتلوا ضد المسلحين الفلسطينيين والسوريين وقت جربوا يخترقوا منطقة البترون، خيي التاني استشهد بالمعارك ضد السوريين بمنطقة «صغار»، والتالت بالقليعات بحرب الإلغاء. وأختي كانت مناضلة صحيح، لكن ما تحملت إستشهاد اخوتها فأنتحرت واعتُبرت شهيدة» يقول ألكسي سلوم، الإبن الأصغر في سلسلة العائلة، العازب الذي يسكن مع والدته أم الشهداء ويرافقها بتفاصيلها كافة».

يضيف ألكسي: «عمر إمي 95 عاما، وبسبب الزعل والعمر طبعًا، صار عندها مشاكل صحية كتيرة بطبيعة الحال، لكن من ناحية تانية صارت كأنها تعيش في عالم ثان منفصل تمامًا عن واقعها، بتكون عم تحكي عادي وتهتم بكل تفاصيل البيت، وفجأة تدخل غرفتها وتنغمس في عالمها الخاص معهم وبتحكيهن كأنن موجودين حواليها، وهالشي كتير بيريحها».

13  ولدًا وآلكسي هو آخر العنقود في البيت، «وقت ولدت صار بيي يقوّص كأني أول ولد بالعيلة، ووقت سألوه ليش القواص جاوبن «ختمت دزينة الولاد التانية بألكسي» يقول ويضحك. الوالد كان أساسًا في القناصة مع الجيش الفرنسي زمن الإنتداب، لما رحلوا عن لبنان، طلبوا منه أن يذهب معهم الى فرنسا فرفض. عندما اندلعت حرب السبعينات، تهجّرت العائلة من الشمال بسبب المسلحين الغرباء، فلسطينيون وسوريون ومرتزقة، بالتعاون مع بعض الأحزاب اللبنانية اليسارية، الذين كانوا بدأوا يظنون أنهم قادرون على فرض سيطرتهم وتغيير معالم المنطقة كليا، قبل تدخل أبطال المقاومة اللبنانية. رفض الأب الإنصياع لمنظومة المحتلين، فانضم الى الكتائب اللبنانية وصار مقاتلاً شرسًا من بين صفوفها «من بيي أخدنا الجو النضالي بالبيت، أخدنا منو كل ذاك العنفوان وشجاعة المواجهة. كان كتائبي من الرعيل الأول، أخد ولادو ع المعارك من دون أي تردد أو خوف لأنه آمن إنو على كل مسيحي أن يدافع عن أرضه ليسلم كل لبنان».

«كان كتير مهضوم ومغروم بأمي، ويبقى دايمًا يخبّر أصحابو بقعدات الكاس إنو مرّة قال للشيخ بيار الجد «قضيت عمرك تـ أسست حزب، ليك أنا ما أحلاني عملت حزب بـ بيتي»، يخبر ألكسي عن والده بفخر كبير. أم رزوق كانت أيضًا مناضلة، لم تمانع يومًا في انضمام أولادها تباعًا الى المقاومة اللبنانية، كانت تشجعهم وتطلب منهم الإنتباه قدر المستطاع على حياتهم، «روحوا الله معكن والعدرا تلفكن بتوبها». وتجلس في بيتها الى صلاتها تغلّف الخوف بالإيمان وتتضرّع للعذراء لتحمي الأب وأبنائه. لما استشهد الوالد وكان شابًا في الخامسة والخمسين، حزنت كثيرًا لكنها لم تستسلم، لما استشهد ابنها بعد أيام ظنت أنها نهاية العالم، لكنها صمدت. لما لحق بهما الثاني ثم الثالثة فالرابع في حرب الإلغاء، بدأت تصنع لنفسها عالمها الآخر كي تتقبل مصيبتها، وهربت الى عالمها المفترض معهم وصمدت أم الشهداء «إمي جبل، إمي جدّة أيوب وعانت، غير فجيعة أولادها، التهجير والشحشطة، ومع هيك بقيت كتير مهضومة وعندها روح مرحة. وبس كانت تشوف صور المسؤولين على التلفزيون، تخلع حذاءها وترشقهم وكأنهم قبالتها وبتبلش تدعي عليهن».

أم الشهداء المحبوبة من أهالي القرية كافة، الكل يسأل عنها دائمًا ويحبها لإنسانيتها وكرمها، يعتبرونها قدوة في الصبر والإيمان غير المحدود، «نحنا عيلة كتير محافظة على حالها وعلى وحدتها وقرارنا واحد ومفهومنا المسيحي عميق جدا وانتماءنا للقضية وللقوات جزء لا يتجزأ من مسيحيتنا. وعلّمنا الوالد إنو ما نتخلى عن هالقيم لو شو ما صار، وإمي علمتنا الصبر والشجاعة»، يقول بتأثر بالغ الكسي عن أمه.

على رغم الكوارث، بقيت أم رزوق لفترة طويلة في وعيها الكامل، صحيح أنها كانت تختلي بأحبائها الذين صاروا صورا، تشكي لهم ألم الفراق غير الموصوف، لكنها في الوقت ذاته كانت تصلي لأجل كل المقاومين رفاق أبنائها، وكلما طل الحكيم عبر التلفزيون، تحاكيه كأنه قبالتها وتطلب منه ألا يترك لبنان «لهالزعران». لما كان في الإعتقال كانت تخصص جزءًا كبيرًا من صلاتها لأجل حريته، «الله يخليك بصحتك ويرد عنك ولاد الحرام، ويحمي حياتك لأنك بتستاهل ولأنك منيح مع العالم»، وكلما عقد مؤتمرًا صحافيًا أو ما شابه، تسأله كمن يحاسب إبنا «شو عملت يا حكيم؟ طمني رح يمشي حال البلد؟ اشتغلت صح؟ أكيد إنت آدمي ومنيح مع الكل».

بعد سنوات من خروجه من الأسر، طالبت أم رزوق ابنها بتدبير موعد لها مع الحكيم «أو فيكي تقولي أمرتني إنو آخد موعد مع الحكيم، وقالتلي بدي شوفو قبل ما موت»، وبعد أيام ثلاثة، لبّى الحكيم طلبها سريعًا، ورحّب كثيرا بزيارتها المباركة، وطلب أن تزوره في منزله وليس في المقر الرسمي للحزب، ليتسنى له مجالستها بهدوء. «طبعا مرقونا الشباب من دون تفتيش وتدابير أمنية وما شابه، لأن كان الحكيم طلب منهم إنو خلّوا أم مرزوق تدخل لعندي مباشرة، وجلست إليه تراقبه وتقبله وتدعو له بالخير والأمان، وتخبره النكات الحلوة، لم تخبره عن أوجاعها بل عن إمتنانها بأنه لا يزال يحمل شعلة النضال لأجل بلاده. «كانت جلسة تبادل الضحكات بين أم وابنها البار ومش أقل» يقول ألكسي. وقبل أن تخرج من عنده إلتفتت إليه وقالت ببسمة عريضة «أخدوني عند حكما كتير بزماني وما صحّيت، هلأ صحيت وأنا عندك»، فعانقها وضحكا معًا، من قلب قلب الدمع الذي تعيش فيه.

لما استشهد إبنها جورج كان عمر إبنه عادل ستة أشهر فقط، كبر الصغير وكبرت معه القضية التي نشأ عليها من والد لم يعرفه شخصيًا إنما تنشق روحه النضالية مع خطواته الأولى في الحياة، وصار عادل، تيمنا باسم الجد، مسؤول مركز سلعاتا في القوات اللبنانية، وصارت له عائلة خاصة به، «ومع هيك كلنا مندور بفلك إمي، كل يوم بتتصل بإخوتي واحد واحد واحد والمفارقة أنها تحفظ أرقامهم، ويا ويل ويلو يللي بيتأخر شي نهار عن الإتصال فيها، بيدور الإستجواب وكأننا ما زلنا أطفالها الصغار» يقول ألكسي.

خرجت أم رزوق من غرفتها، جلست الى أريكتها المزركشة، نظرت من حولها لم تجد صور الأبناء، ندهت عليهم «وينكن ليش فليتوا؟»، لم يتأخروا عليها في الجواب، «هون يمّي نحرس لكم من السماوات تلك الأرض التي رفعتنا الى ضيائها، ولو لم نفعل لما كنتِ أم رزوق أم الشهداء، تلك السيدة المثال عن شجاعة الصبر وقوة الإيمان، ولما أكرمتك السماء بنا يمّي»…هذه ليست حكاية من كتاب قراءة، هذه واقعة عن حكاية لبنانية شمالية الهوى عنوانها «أم رزوق تلك الجبارة أم الشهداء».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل