#adsense

لا يمكن لوسطي, أن يشكّل حكومة تحدٍّ!

حجم الخط

على هامش الأزمة الحكومية المفتوحة منذ 113 يوما على شتى الاحتمالات، ما عدا تلك المتصلة بمرحلة التأليف – لأنّ زمن العجائب قد ولّى – تعدّدت الروايات والسwيناريوهات حول ما يعيق هذه الولادة، ولو بعملية قيصرية، ومعها ما اجترح من أوصاف تتسع لها الأبجدية يتبادل المراقبون الكثير من العبارات التي تعكس الانقسامات السياسية في البلاد من التصنيف الآذاري بين 8 و14 آذار إلى منطق الأكثرية والأقلية وصولا إلى الصقور والمعتدلين والوسطيين.

ومن المفارقات التي أتى بها الانقلاب السياسي والدستوري الذي قام في 25 كانون الثاني الماضي جاءت الأكثرية الجديدة، لتعطي الأقلّية السابقة فرصة سانحة للتحكم في البلد، لكنّها لم تتمكن من تشكيل إحدى أبرز الأدوات التنفيذية للإمساك به، وهي الحكومة العتيدة التي طال انتظارها.

وفي الوقائع التي لا تحتمل الجدل، لم تتمكن هذه الأكثرية في حينه من اختيار أحد أقطابها لهذه المهمة، ليس لذنب ارتكبته أو لسوء تقدير ومصير، بل لأنّه لم يكن لديها القطب السنّي الذي يمكن أن يواجه رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي كان يستعدّ لدخول البيت الأبيض قبل أن تطلق رصاصة الرحمة على حكومته، والتي قيل زورا إنها "حكومة الوحدة الوطنية"، بدل أن يقال فيها "حكومة العجز الوطني". فاختار من نظّم التوقيت أن يكون بطل المرحلة واحدا من "أهل البيت الأكثري"، كان قد قطع قبل لحظات على اختيارة وتسميته للتكليف – نظرا إلى سوء حظه – وعدا بأن يكون إلى جانب الرئيس الحريري في أي بوانتاج يقام في بيت الوسط بعد أيام قليلة من تأجيل المرحلة الأولى من الاستشارات من 17–18 كانون الثاني الفائت الى 24 و25 منه، "لأنه من المعيب شطبه وعضوي كتلته الطرابلسية من لائحة الذين سيسمّون دولة الرئيس الحريري"، كما قيل في حينه، وهو شخص ممّن ابتدع "منطق الوسطية". ولئلا يتهم بابتكارها، فقد تبنّاها على الأقل إذا صح أنها ولدت في 25 أيار 2008 عندما انتخب الرئيس التوافقي للجمهورية العماد ميشال سليمان. لكنّ الفضل يبقى له – وفي كل الحالات – في التنظير لها وفيها، عندما نظّم المؤتمرات التي رفعت شعارها وتحدث في مزاياها وأفضالها، فبرزت إيجابياتها قياسا بحجم الانقسامات السلبية التي فرزت البلد بين فكّي 8 و14 آذار وما بينهما في 11 أيار.

ومن دون التوسع في هذه النظرية، المهم أنّ البلاد شارفت إقفال الشهر الرابع من دون حكومة، والمهمّة قد أوكلت إلى الرئيس ميقاتي تحت سقف كان محددا له ألا يتجاوز الأسبوعين أو الثلاثة لتأليف حكومة قيل إنها ستكون لتغيير وجه لبنان وإبراز نموذج جديد للحكم. ومن أجل التحدي والمواجهة مع المجتمع الدولي على قاعدة تحالفات جديدة قامت على أنقاض سلطة رفضت أن تسوّق مع المعارضة السابقة منطق إحالة "شهود الزور" إلى القضاء العدلي أو إلى المجلس العدلي، ورفضت إلغاء البروتوكولات المعقودة مع المحكمة الدولية أو وقف تمويلها، كما رفضت مس كل ما يتصل بالقرارات والعهود التي تحكم علاقات لبنان الدولية.

فقدان مقوّمات التحدي

وهنا مكمن الخلل، فإلى الخلاف الإستراتيجي والتكتي العميق بين منطق الوسطية الذي يتمسك به الرئيس المكلّف، والتحدي الذي قادته الأكثرية الجديدة، برزت سلسلة العقد التي حالت دون تشكيل الحكومة، وإلى خسارة هذه الأكثرية سند القوة الإقليمية التي سمحت لهم بالتحدّي من خلال ما بدأت تشهده سوريا من مشكلات وانتفاضات داخلية صرفتها عن الهم اللبناني، بعدما اهتزت لها أركان الحكم والنظام. تزامنا مع دخول برامج الثورة التي يساندها محور الممانعة في البحرين بعد اليمن منحدر السقوط، فخف ضجيج محرّكات الأكثرية الجديدة التي انطلقت على وقعها، فبدأت مسيرة الانحدار إلى حدود العجز في التشكيل الحكومي.

ولأنّ الأكثرية الجديدة لا ترغب في الاعتراف بعجزها الكلي عن التشكيل، فقد ألبست الأزمة لبوس حقيبة الداخلية وقبلها شكل الحكومة، وعمّا إذا كان من الأفضل أن تكون حكومة برلمانية مطعّمة ببعض التكنوقراط أو أنها لـ"المواجهة" وصولا إلى مشروع حكومة الأمر الواقع بوزراء من التكنوقراط يمكن اختيارهم من الوجوه اللامعة في الاقتصاد والسياحة والزراعة والمال تحت عناوين توحي بالثقة.

على هذه الخلفيات، ومن دون إغفال الأسباب الإقليمية التي تبقي البلاد على صليب الفراغ الحكومي والإداري والسياسي والمالي والاقتصادي والسياحي، ربما والأمني لا سمح الله، ما زالت التركيبة الحكومية تقف أمام الحائط المسدود وعلى مسافة قصيرة من الانهيار.

أما وبعد، وفي ختام هذا العرض لواقع الحال الحكومي المزري، نقل عن مرجع كبير قوله أمام ضيف كان يناقشه في هذه المعطيات، قوله: "في ما سبق وقيل حقائق كثيرة وفيض من المنطق، ولذلك كله لا يمكننا إلا أن نطالب بأن يتحمّل الجميع مسؤولياتهم كل من موقعه، ولنعترف صراحة بأن أي وسطي لا يمكنه أن يشكل إلا حكومة وسطية، فلماذا نطلب منه أن يشكل حكومة التحدي!"

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل