
من دون مقدمات أو مطوّلات، ولندخل مباشرة في صلب الموضوع. لنفرض أن الحكومة تشكَّلت غداً، ما هي الانعكاسات المباشرة على سعر الدولار؟ خصوصاً مع التسريبات المتدفِّقة بين فترة و”أختها”، ودائماً من مصادر مجهولة، بأن الدولار سينخفض فوراً إلى 12.000 ليرة لبنانية، بل أكثر، إلى ما دون الـ10.000 ل.ل.
الخبير المالي والاقتصادي البروفسور روك ـ أنطوان مهنّا، يرى، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ما تردد عن وعدٍ لمرجعية نقدية بخفض سعر الدولار إلى 12.000 ل.ل وفُسِّر الأمر أن المقصود هو مصرف لبنان، أمر غير متاح، لأن الأخير لا يملك الدولارات الكافية للتدخل في السوق”.
ويذكّر، بأن “البنك المركزي أعلن بذاته أن الأموال المتوفرة باتت بحدود الـ14 مليار دولار، وأن 850 مليون دولار حُرقت على دعم المحروقات في تموز الماضي، علماً أن الكلفة الشهرية المعتادة 200 مليون لكنها ارتفعت فجأة بسبب الاحتكار والتخزين والهيمنة الموجودة من المافيات في السوق والتهريب. أي وصل إلى السحب من الاحتياطي الإلزامي، ما اضطره إلى قرار وقف الدعم”.
وانطلاقاً من هنا، يضيف الخبير المالي ذاته، “مصرف لبنان لا يملك القدرة على خفض سعر الدولار. فالجميع يلاحظ أن الأمور لا تسير كما يجب على منصة صيرفة إنما (بالنقّاطة)، والمبالغ المتداولة عبرها متواضعة وضئيلة جداً. بالتالي، هذا دليل على أن البنك المركزي لا يملك القدرة، وإلا كان الأحرى به تعويم منصة صيرفة التي أطلقها بنفسه وإنجاحها، لكنها فشلت نتيجة عجزه عن تعويمها”.
لكن مهنّا يعتبر، أننا “سنشهد فور تشكيل الحكومة، (من دون جميلة) لا مصرف لبنان ولا رئيس الحكومة ولا أي أحد آخر، حُكماً وتلقائياً انخفاضاً ملحوظاً في سعر صرف الدولار، من غير المستبعد أن يكون ما بين 12.000 و15.000 ل.ل. وذلك لأن السبب الرئيسي اليوم لتدهور سعر الصرف، سياسي، والكيدية القائمة في بورصة تشكيل الحكومة”.
ويشير، إلى أننا “منذ فترة تكليف الرئيس المعتذر سعد الحريري واليوم مع ميقاتي، نلاحظ أنه عند كل زيارة إلى قصر بعبدا، إذا خرج الرئيس المكلف ضاحكاً ينخفض الدولار، أو متجهِّماً وعابساً فيرتفع”، لافتاً إلى أن “البورصة الحكومية مرتبطة بشكل وثيق مع بورصة سعر الصرف، تبعاً للعامل النفسي وعامل الثقة، ما يدفع الناس إلى التهافت على الدولار بيعاً وشراءً. بالإضافة إلى المافيات التي تستغل هذا العامل من خلال التطبيقات الموجودة بمعظمها خارج لبنان”.
ويضيف، “لا شك أن قسماً كبيراً من المسألة سياسي وعامل ثقة. فكثيرون يراهنون على أنه في حال تشكَّلت حكومة ونالت ثقة دولية، هذا يعني الجلوس على الطاولة مع صندوق النقد الدولي، وستأتي مساعدات لأن الخارج مستعد”.
لكن مهنّا يحذر، من أن “هذا كله في المبدأ، لا بالفعل وفي الواقع، وبحال تشكيل حكومة، إذ لا يمكن أن نقول فول حتى يصير بالمكيول، لأن الكيدية مستمرة كما نتابع. فقد يكون هناك من يراهن على تشكيل حكومة، لكن ربما هناك فريق آخر لا يريد تأليف حكومة الآن، وينظر إلى المسألة من زاوية خدمتها لمصلحته ربطاً بالانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة”.
وبرأيه، أنه “إذا سلَّمنا جدلاً أن الحكومة تشكَّلت، حتى ولو لم تنل ثقة دولية على الفور، سينخفض سعر الصرف حُكماً بنسبة كبيرة، ربماً إلى 14.000 أو 15.000 ل.ل. وإذا نالت ثقة دولية، أو كانت هناك ردة فعل دولية إيجابية على شكل الحكومة، ربما ينخفض إلى 12.000 ل.ل، حتى ولو كانت الحكومة المقبلة حكومة محاصصة كما بات معلوماً وليست حكومة متخصصين ومستقلين كما كان يعوَّل، لكن لأننا وصلنا إلى مرحلة يرثى لها ووضع سيِّئ جداً، صار المطلوب تشكيل أي حكومة”.
ويؤكد مهنّا، أنه “على المدى القصير سيكون هناك صدمة إيجابية لتشكيل الحكومة تخفِّض سعر الدولار في المرحلة الأولى ربطاً بالعامل السياسي والنفسي، والتوقعات بحصول اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لكن الأمر يبقى مرهوناً بالثقة الدولية. علماً أن انخفاض الدولار لن يكون كما يعوِّل البعض إلى ما دون الـ10.000 ل.ل أو أن يصل إلى 5.000 ل.ل، لأن القواعد المالية والاقتصادية الراهنة لا تسمح بذلك، فالعجز كبير ولا دخول للعملات الصعبة والاقتصاد منهار ولا مداخيل في مالية الدولة، إلى ما هنالك”.
ويسارع إلى التشديد، على أن “لبّ الموضوع والسؤال الأساسي، هل هذا الانخفاض في سعر الدولار سيكون مستداماً؟”. ويشير إلى أن “المسألة مرتبطة بتنفيذ الحكومة لأجندة الإصلاحات المطلوبة، وما ستحصل عليه من مساعدات من صندوق النقد بحدود 3 مليار دولار بالإضافة إلى نسبة مماثلة تقريباً من المساعدات الدولية، كما يؤمل، فهذا ما سيسمح بثبات انخفاض سعر الصرف واستمراره”.
ويعتبر مهنّا، أن “كل هذه المساعدات مشروطة بالإصلاحات التي ستكون موجعة، سواء توحيد سعر الصرف أو تحريره تدريجياً واعتماد سياسة نقدية بالاتفاق مع صندوق النقد وربما عبر مجلس نقد مؤقت. بالإضافة إلى إصلاح قطاع الطاقة والكهرباء والمحروقات والقطاع العام وإعادة هيكلة المالية العامة والقطاع المصرفي ومصرف لبنان وسائر القطاعات. علماً أن انهيار الليرة جعل القطاع العام يصلح نفسه تلقائياً، إذا صح التعبير، إذ خفَّض فاتورته الفعلية بعدما كان يشكل عبئاً أساسياً، لأن حجمه يفوق 3 أضعاف الحاجة إليه في بلد بحجم لبنان”.
وبحسب مهنّا، “السيناريو الأفضل هو قيام الحكومة بالإصلاحات واعتماد برنامج متوسط المدى للسنوات المقبلة مع صندوق النقد، ما يسمح باستقرار سعر الصرف عند حدود معينة. أما إذا كانت حكومة إدارة فترة مؤقتة إلى حين موعد الانتخابات النيابية المقبلة، فستكون لخدمة السلطة القائمة، أي السيناريو الذي تعوَّدنا عليه في لبنان بالنسبة للتجاذبات السياسية وخلافات المحاصصة بين المنظومة السياسية، فستوقعنا مجدداً في المجهول”.
ويؤكد، أن “الصدمة الإيجابية التي قد نشهدها على المدى القصير لتشكيل الحكومة، يمكن أن تنقلب سلبياً في حال لم نشهد إصلاحات ومساعدات دولية، ونعود إلى مسار انحداري أقسى وأصعب ومتدحرج بسرعة أعلى. أي أننا سنشهد رد فعل عكسي لأن ما كنا نعوِّل عليه لم ينجح، وعندها يمكن أن يصبح التفلُّت مضاعفاً نتيجة الخيبة، ولا يمكن لأحد توقع مستوى ارتفاع سعر الدولار حينها”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
