(1).jpg)
بحسب ما صرّح الصحافي جاد غصن في مقابلته عبر تلفزيون “الجديد”، قال الرئيس ميشال عون للسفيرتين الاميركية والفرنسية: “اذا خلص العهد من دون حكومة انا ما لح فل من القصر”. فلماذا هذه التسريبات على أهداب موجات تفاؤليّة في الموضوع الحكومي؟ وهل نحن مقبلون على تشريع الفراغ بالإبقاء على شاغر الرئاسة بعد الانتهاء من مدّة ولايته؟
إن دلّ ذلك على شيء فهذا يدلّ على أنّ فخامته وفريقه السياسي شخصيّا لا يريدان أي حكومة طيلة هذا العهد، لا سيما أن الرئيس حوّل النظام من برلماني ديمقراطي الى رئاسي تعطيلي عبر المجلس الأعلى للدفاع، وقدرته النيابية على التعطيل. وبالتالي ما من مصلحة شخصية له بالافراج عن أي تشكيلة حكومية لا يسيطر عليها.
لكنّ هذه السلطة السياسية تعلم أنّ الناس باتوا على قاب قوسين من انفجار قد يطيح بهم جميعهم؛ لذلك تحاول هذه الطبقة دومًا تسكين الناس، لا بل أنّها نجحت بتخديرهم في هذه الفترة عن طريق إشغالهم بحاجاتهم الأساسيّة؛ كذلك استخدمت تقنيّة العراضات الاعلامية على قاعدة صيف وشتاء تحت سقف واحد، حيث يتمّ مثلا تسريب إسم لمُخَزِّنٍ لمادّة البنزين والمازوت ويتمّ استصدار مذكرات توقيف بسرعة البرق، في حين يتمّ مثلا بإخراج دراميّ مكسيكي لمحتكر دواء في مستودعه من بطولة مباشرة لمعالي وزير الصحة المحترم.
هذه كلّها، ويدوسون على أوجاع الناس وكراماتهم في طوابير باتت من أدبيّات حياتهم اليومية. والاشكالية الأكبر التي تُثير الدهشة لا تكمن فقط في عدم انتفاضة الناس، بل أيضًا تكمن في كيفية تأقلمهم مع كلّ أمرٍ واقعٍ جديد تنجح هذه المنظومة بفرضه عليهم. حتى في الموضوع الحكومي الذي بات هو أيضًا أمرًا واقعًا آخر استطاعت المنظومة أن تفرض ايقاع تقدّمه أو تجمّده إذا صحّ التعبير، على إيقاع اليوميات السياسيّة. وبالطبع من دون إحراز أي تقدّم يذكر.
وفي هذا السياق، لا يبدو بريئًا ما رشح عن الاعلامي غصن، ففي نهاية المطاف هذه المنظومة مُطْبِقَةٌ على البلاد والعباد، وفي ذلك استمراريّتها؛ فإن لم تنجح بمتابعة مسارها فهي حتمًا ستفقد مصيرها بيدها، وهذا بالطبع ما لن تقدِم عليه. ولا يتردّد هذا الفريق في كلّ فرصة يجترحها للإمعان في نحر اتّفاق الطائف الذي لا يعترف بوجوده من الأساس. وهنا الإشكالية الأكبر التي تكمن في عدم إعلان وفاة الطائف بل يمعنون في نحره حتى بات مليئًا بالثقوب كالغربال الذي أكل الحَبُّ منه وشَرِب.
ولم تعد المسألة في المكان الذي وصلت إليه مسودّة التشكيلة الميقاتيّة، بل صارت في كيفية اكتشاف الثلث المعطّل المضمر الذي ما فتِئ يزرعه العهد في حقل هذه الحكومة. ولا يبدو أنّ التوافق بين الرئيسين سيكون سهلا في المرحلة المقبلة، كي لا نقول مستحيلا. وما لم يستشعر فريق الرئيس ومن خلفه منظّمة ح ز ب الله بقدرتهما على التحكّم بقرار الحكومة الموعودة لن يفرجا للرئيس ميقاتي عن أي طرح قد يتقدّم به.
وعلى ما يبدو أنّ المجتمع الدولي يصبح أقرب فأقرب إلى نظريّة عقم أي حكومة بسبب استحالة تشكيلها. وهذا ما سيدفع قُدُمًا بالانفجار الاجتماعي الذي صار حتميًّا. ولن يكون منظّمًا بشكل تحرّك أو ثورة بل سيكون متنقلا بحسب الاشكالات التي قد تقع وقد تتطوّر في مختلف المناطق؛ فما شهدناه أمس في الشمال اللبناني من إشكال على خلفيّة بيع للحطب كاد ان يصبح حربًا ضروسًا من الممكن أن تسيّب الوضع شمالا. وهذا بدوره سينهك الأجهزة الأمنيّة المنهكة أصلا بفعل اضمحلال القدرة الشرائية لمعاشات أفرادها، حيث باتت أخبار الفرار من هذه الأسلاك شبه يوميّة، وهي منتشرة على مواقع الاواصل الاجتماعي.
ولن يفيد هذه المنظومة إنكارها الدائم للدّعم الذي ما زالت تتلقاه أجهزتها لا سيّما من الولايات المتّحدة. وهذا ليس إلا لخشية الدول الغربية من تسيّب الأمور أمنيًّا في لبنان ما سيجعل الساحة مفتوحة على الاحتمالات كلّها. وهذا بالطبع ما لا يريده اللبنانيون السياديون ليس لعدم استعدادهم لهكذا احتمالات، بل لأنّهم لا يريدون إلا لبنان الـ10452 كلم2. وما هذه التسريبات التفاؤلية في الملفّ الحكومي الا محاولة لإخفاء أمر ما تحضّره هذه المنظومة بإشراف المنظّمة قد يكون التفافًا دستوريًّا جديدًا أو أي تركيبة أو تلفيقةٍ باستخدام القضاء للإنقضاض على خصومهم التقليديّين، ولعلّ القوّات هي أبرزهم نتيجة ما شهدناه في موضوع تخزين البنزين مع ابراهيم الصقر.
لكنّ ذلك كلّه لا يعدو كونه فقاعة في الهواء، لن تجدي نفعًا لأنّ الناس قد سبقوا هذه المنظومة بأشواطٍ، وهم يراقبون أداء القوات بعينِ صقرٍ ثاقبةٍ ولن يسمحوا بتكرار أي سيناريوهات محنّطة خارجة من تاريخ الذلّ الذي لن يعود، ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء.
وما وجود النوّاب السياديّين في البرلمان اليوم على علّأته إلا للحفاظ على أهمّ حصن دستوري إن سقط بالكامل بيد هذه المنظومة قد تنجح عندها المنظّمة بتغيير وجه ووجهة لبنان الحضاريّ دستوريًّا وميثاقيًّا مع جماعة 6 شباط المبايعين للحريّة والكرامة الكيانيّة. وعندها لن ينفع البكاء وصريف الأسنان. هذه هي حقيقة الأزمة اللبنانيّة وجوهرها ولقد قلنا ما قلناه.