#dfp #adsense

ما يجمع اللبنانيين الآن … أنها “هزلت”، وحتى “هزلت” جداً!!

حجم الخط

أسوأ ما يمكن أن يصل اليه وضع في بلد ما هو ألا يجد ناسه في وصفه غير كلمة "هزلت"، وهذا للأسف الشديد هو حال لبنان، وما يقال انه سياسة فيه، في المرحلة الحالية من تاريخه. وعمليا، فأينما توجهت أنظار الناس، سواء لجهة العجز عن تشكيل حكومة منذ حوالي أربعة شهور وأسباب هذا العجز، أو لجهة ما يتردد عن كيفية ملء القصور الاداري في مناصب مركزية، أو لجهة معالجة "طوارئ" غير محسوبة على حدود البلد من الجنوب الى الشمال، أو لجهة عدم التفريط بما يوصف دائما بأنه "أساس وجود لبنان"(حرية التعبير) أو غير ذلك، لا تكاد تجد كلمة مناسبة لوصف واقع الحال سوى الكلمة اياها: "هزلت" اياها.

تبرز في المقدمة طبعا، وان يكن اللبنانيون قد اعتادوا على مثيلاتها من النائب العماد ميشال عون، تلك العبارات الممجوجة التي قالها في توصيف مقاربة رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي لمسألة تشكيل الحكومة(البنطال وفتحته من الأمام أو من الخلف)، أو في تبرير موقف وزيره في الحكومة وفي كل حكومة وصهره المدلل بمنع مندوب "المستقبل" من الدخول الى الوزارة(بيتنا الذي لا نسمح لأحد باهانتنا فيه).

لكن ذلك، في كل حال يبقى جانبا واحدا من الصورة: الجانب الفكاهي أو ربما الهزلي، فيما لا تقل الجوانب الأخرى هزالا، بمعنى التردي في الحياة السياسية، ولا أهمية وفداحة بالنسبة لحاضر لبنان ومستقبله.

ولندع الفكاهة أو الهزلية غير المعهودة، وحتما غير المقبولة، جانبا في هذه العجالة السريعة، لنتحدث عن مسائل أخرى أكثر فداحة وخطورة مما سبق كما يلي:

قيام سياسي لبناني ما، لا هو عضو في البرلمان ولا هو رئيس كتلة فيه، الى تهديد رئيس الحكومة المكلف بسحب "التفويض" المعطى له من نواب الأمة ما لم يعمد الأخير بسرعة الى تشكيل الحكومة التي يريدها السياسي نفسه، ثم توجيه ما يجوز وما لا يجوز من الاتهامات الشخصية اليه والى رئيس الجمهورية فضلا عمن يدافع عن موقفيهما باعتبارهما دستوريين من ناحية أولى وعمليين في المرحلة الحالية التي يمر فيها لبنان وتجتاح المنطقة كلها من ناحية ثانية.

وبغض النظر عن امكانية أو قانونية التراجع عما يوصف دستوريا بأنه "استشارات ملزمة" يجريها رئيس الجمهورية لتكليف رئيس الحكومة بتشكيل الحكومة، وعن المدة المفتوحة التي يمنحها الدستور الى الرئيس المكلف لانهاء مهمته أو الاعتذار عن استكمالها، وعن الموقف الفعلي لحلفاء هذا السياسي من المسألة والعراقيل التي يضعونها هم وليس غيرهم في طريق الرئيس المكلف، فلا مناص من القول أن كلمة "هزلت"، بل و"هزلت جدا"، هي التي تصفع وجوه الناس في هذا السياق.

قيام نائب في البرلمان أو أكثر، بدعم من حزب سياسي أو أكثر، ووسط تصفيق من نواب آخرين وكتل نيابية وأحزاب وتيارات أخرى، بمنع فندق في العاصمة من استضافة مجموعة من الشباب والعاملين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان كانت تستعد لاعلان موقف مؤيد للشعب السوري في انتفاضته المتواصلة منذ شهرين تحت عنوان التغيير والحرية والكرامة والديموقراطية. واذا كان النواب هؤلاء مستفيدين من أساس لبنان هذا وحرية التعبير التي يكفلها الدستور وليس فقط من كونهم حلفاء سياسيين لسوريا قد عمدوا في وقت سابق الى عقد لقاء مماثل بعنوان الدفاع عن سوريا وتأييدا لنظامها، فلم تفهم الناس اذا كيف يبررون لأنفسهم المبادرة الى منع لقاء في اتجاه مختلف، وبالأسلوب التهديدي الذي تم به هذا المنع؟. بل كيف يبررون لأنفسهم أن يحاصروا هم بأشخاصهم وأحزابهم ومؤيديهم السفارة المصرية في بيروت تنديدا بحصار غزة قبل عامين، أو تأييدا لانتفاضة شباب مصر ضد نظامها قبل أسابيع قليلة؟

هل يشي ذلك أيضا بأنهم، لو فكروا أو استطاعوا، لعمدوا الى منع أي مفكر أو صحافي من كتابة تعليق يؤيد فيه الشعب السوري حتى لا نتحدث عن تأييد الشعوب في البحرين وليبيا واليمن في ما يطالب به من تغيير في نظامه وأسلوب حكمه؟.

وأي لبنان هذا الذي يتحدثون عنه، بل أي سوريا تلك التي يؤيدون، وهي التي تعامل نظامها مع لبنان أقله في مجال حرية التعبير وعلى امتداد عقود طويلة على أنه شيء مختلف؟.

قيام نائب عن الأمة أو أكثر، ووزير في حكومة تصريف الأعمال أو أكثر، ورئيس حزب سياسي أو أكثر، باتهام الأقلية النيابية(ودائما، بقرار من الخارج!) بأنها تمنع تشكيل الحكومة وتضع العقبات في طريقها، مع أن هذه الأقلية قالت منذ البداية أنها لا تريد الاشتراك في هذه الحكومة لا لجهة الحصص في الحقائب الوزارية ولا لجهة الموقف السياسي الذي يمكن أن تختطه لنفسها في القضايا الجوهرية التي يختلف اللبنانيون حولها.

هل يقول هؤلاء، تلميحا على الأقل، أن رفض الاشتراك في الحكومة هو العرقلة المقصودة لتشكيل الحكومة؟!، واذا كان ذلك كذلك، فلماذا اذا كان الانقلاب على الحكومة السابقة وقلبها بالطريقة المعروفة، ثم الذهاب بالبلد كله الى ما هو عليه من جدار مسدود الآن؟.

قيام طرف سياسي في العلن، وربما أكثر من طرف في السر، بتوفير "مظلة حماية" للعماد ميشال عون في مطالبه لجهة عدد الحقائب، باعتبارها كما قال أحد المفوهين فيه "دستورية" (يا للعلم الدستوري!)، والتزام الصمت الملتبس لجهة حملته الشنيعة على رئيس الجمهورية من ناحية ورئيس الحكومة المكلف من ناحية أخرى. في المقابل، لجوء طرف سياسي حليف للطرف الأول الى مغازلة الرئيسين من جهة، ورئيس "جبهة النضال الوطني" وليد جنبلاط من جهة ثانية، لعل الغزل هنا يقلل من مساوئ الهجاء هناك.

هل هي "التقية" في السياسة هنا، أم أن المسألة كلها مسألة وقت، وأن الوقت في هذه الحالة محلي لبناني بقدر ما هو عربي واقليمي أيضا؟.

قد تتفاوت الاجوبة وتتعدد، بل قد تتناقض بين واحد منها وآخر أو في سياق الجواب الواحد بين طرف معني وآخر، لكن ما لا يجد اللبناني وصفا له أقرب الى الحقيقة من كلمة "هزلت" يبقى الجامع المشترك بينها جميعا.

… ولعل اللبنانيين يجمعون في هذه الفترة من تاريخهم على القول معا وفي وقت واحد، انها "هزلت" فعلا، بل انها "هزلت" جدا، هذه المرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل