هذه المرة جاء فيلتمان ليس كما في أي مرة سابقة. هذا السفير الذي لطالما امتلأت مفكرته في عوكر بالمواعيد وطلب المواعيد، بالعشرات او المئات، أصبح اليوم في منزلة تثير الرعب، على رغم كونه في منصب ارفع.
فكثيرون من الذين تمنّوا عادة لقاءه، فضلوا هذه المرة ان يبقوا الى جانب … نظيره الإيراني. هذا آمن أكثر. وعلى الأقل ليس هناك "ويكيليكس" إيراني حتى الآن. كما ان ما يمكن ان يصدر في هذا المجال، ليس مخيفا في لبنان، بل هو مجال لرفع الرأس تباهيا، ورفع الإصبع… استقواء.
هناك مرض نفسي يضرب الوسط السياسي اللبناني اليوم، هو "الفيلتمانو فوبيا". فما نشر على صفحات "ويكيليكس" عن لقاءات هذا الرجل مع مسؤولين وسياسيين لبنانيين تحوّل مادة تبادَلَ الجميع استثمارها في المعركة السياسية. وأراد بعضهم من خلالها "تأديب" بعضهم الآخر، او إقفال الطريق عليه سياسيا.
البادي أظلم
الإعلام الذي يحركه السوريون والإيرانيون في لبنان كان المبادر. افتعل "بطولات" في هذا المجال. واعتقد بعض الرأي العام ان "ويكيليكس" لا تتضمن فعلا سوى "فضائح أميركية" أبطالها ينتمون الى خط 14 آذار. لكن الصورة انقلبت عندما بدأت تظهر "حقائق ويكيليكسيّة" جديدة، تطاول أقطابا في صفوف 8 آذار. وتبيّن ان "حزب الله" يواجه في لبنان طرفين لا ثالث لهما: الأول هو خصومه في 14 آذار الذين يعبّرون في جرأة عن مواقفهم، والثاني هو حلفاؤه الذين لا يعبّرون عن حقيقة مواقفهم إلاّ في الكواليس. ولكن الطرفين يقولان كلاما متشابها، ويعبّرون بالاسلوب نفسه أيضا، أمام الأميركيين!
"عشاء غير سرّي"
في "بستان الزيتون"
ليس هناك حتى اليوم "ويكيليكس" سوري. ولو كان موجودا لتراجع قليلا الناشطون على خط بيروت – دمشق، او على خط السفارة المستحدثة في بيروت، او على خط الزيارات الناشطة للسفير السوري، وخصوصا أن الكثيرين من الذين يتغنّون يوميا بتكرار المقولات السورية الجاهزة، لا يؤمنون بها فعلا، وهم ولا شكّ يترقبون كسواهم تطور الموازين والمعادلات في ضوء ما يجري في سوريا.
لو كان هناك "ويكيليكس" إيراني لما اطمأن المطمئنون الى التلاقي المغمور باللهفة مع نظير فيلتمان، وغريمه في زيارة اليوم الواحد، محمد رضا شيباني. ولربما كان عشاؤهم السرّي علنيا في بستان الزيتون في الفياضية ليلة السبت.
لكن المفارقة هي أن مضمون "الكَوْلسة" في حضرة سوريا وإيران هو مدعاة للفخر لدى أصحابه، فيما "الكَوْلسة" الأخرى تستدعي منهم الشماتة في الحدّ الأدنى … والتهديد في الحدّ الأعلى. علما ان ثمة من "يُكَوْلس" بوجهين ولسانين هنا وهناك. وهؤلاء هم كثيرون في 8 آذار. ولو كانت لهم الحرية، لما "كَوْلسوا" لا هم ولا سواهم، ولا أصيبوا بنوبات "الفيلتمانو فوبيا". ومن الطبيعي ان يكون الموقف الحقيقي لهؤلاء هو ما "كَوْلسوه" عند فيلتمان وليس عند سوريا وإيران. فهم يسعون لحماية رؤوسهم بمراعاتهما لا مراعاة أميركا.
وللجدران آذان أيضاً!
في اي حال، فعلت "ويكيليكس" فعلها. وتبيّن ان جوليان أسانج كان في الأيام الأخيرة جزءا من الحدث اللبناني. وما جرى في استقبال فيلتمان وشيباني كان أبرز اختبار لفضائح "ويكيليكس". ومن دون شكّ، كان الرئيس ميشال سليمان والرئيس المكلف والنائب وليد جنبلاط يمارسون أقصى درجات ضبط النفس في لقاءاتهم الأخيرة مع فيلتمان. وفي أي حال، لم يكن جنبلاط وحده في اللقاء، بل شاركه الوزير غازي العريضي.
الجميع بات يتّخذ جانب الحيطة والحذر: الجدران لها آذان… ومن غير الواضح إذا ما كان فيلتمان عقد لقاءات لم يعلنها. وهذا ممكن في السلوك الدبلوماسي.
في المقابل، لم يتحفّظ ضيوف شيباني في "كَوْلستهم". إنهم مطمئنون. لن تكون هناك "ويكيليكس" لهم. وإذا ما خرجت مواقفهم الى العلن، فإنها ستكون موضع مباهاة وأداة استقواء لا العكس.
إنها الصورة، حتى الآن على الأقل. لكن الآتي قد يكون مختلفا. والانقلابات السياسية قد تحمل مفاجآت لا يتوقعها النائمون اليوم على أمجاد المعادلة القديمة.
الشرق الأوسط يغلي ويتغيّر. ومعه يتغيّر لبنان أيضا. وسيكون المستقبل مغايرا لما هو عليه الآن. و"فيلتمانو فوبيا" اليوم قد يشفى أصحابها، فهل يصابون وسواهم بعوارض "شيباني فوبيا"؟