#dfp #adsense

أيلول الشهدا… بانتظارك حكيم

حجم الخط

وكأنه موعد حب عطشان للقاء، ولا يروي عطشه الا تحت شجن ايلول. ايلول عبق المواسم، ايلول الصيف المجنون الراحل الى خريفه الملوّن المبلول بأول مطرة، ايلول العيون الهائمة السارحة في غير عيون مرنّحة بحنينها، هنا ايلول مختلف تماما، حين تكون مواسمنا عيون شهدائنا تجد ايلول. حين تتحول سطوحنا الى فلشة وفاء على عيون الحب كل الحب، يتنقوز ايلول. حيث يحضرون قبلنا الى المكان لنحتفي بحضورهم في حياتنا، يكون عن جدّ ايلول. هنا ايلول الشهداء يا رفاق وهنا المقاومة مستمرة وهنا ساحة الاحتفاء بهم في معراب.

كل سنة يسبقوننا الى الموعد. يذهبون قبلنا الى احتفالهم لاستقبالنا ونحن غالبا نظن العكس تماما. واحدا واحدا أراهم يسرحون، الساحة في معراب فسيحة، مزنرة بالقديسين. يحبون هذه المشهدية العابقة من بخور السماء فوق الارض. حراس المكان الصخر والوعر قبل الشباب، عند كعب احدى الصخرات تنتصب صخرة اخرى كبيرة لصيقة بالمذبح. مذبح متواضع سيكون مدججا بوروده، وحيث ستُستعمل فوق بياض الشرشف المطرّز، اسلحة فتاكة بكل انواع الشرور، سلاح الحب عبر جسد الرب. الى جانب المذبح تقف ثلاث ارزات متفاوتة الاحجام، موزعة في المكان كمن غرز حراسا في وعر جبل، شو حلوين هالارزات يا ريما، تضحك بجاني “شلوحن بتشبه وجوه شهدائنا” تقول. شو حلو هالحكي يا صبية. تصطف الارزات تحرسن الصخر، وتغرزن في وعر هذه الارض شهداء على مدّ النظر والقلب، وجذورا وأرزا وشلوحا واغصانا خضراء، رغما عن ارادة من يريد ان يجعلها أرض الاشواك والرماد.

ليش هالديكور يا انطوانيت؟ اسأل فراشة معراب كما يدعوها الرفاق. “لأنها بترمز لثبات ايماننا بلبنان ولأحقية قضيتنا ولمسيرتنا المتجذرة بهالشرق” تجيب.

ثلاث أرزات، محاصَرة بالمناضلين الاحياء وبالشهداء ايضا، ارتفعت تجسيدا لشعلة خضراء تتناقلها الاجيال، من ايد لايد ومن جيل لجيل، وتعبر من خلالها وجوه الاجداد والابناء، وجوه متجذرة في ايمانها لن تقبل الا ان تستمر في المقاومة والصمود مهما حاصرتنا العواصف واغرقتنا الاحتلالات والعملاء بأمواج العار واليأس والرحيل. “باقيين هون ومش رح نفل لمطرح، وصخورنا وأرزنا علامة على هالصمود المتجذر بالإيمان” تقول انطوانيت جعجع.

الى الجهة المقابلة من المذبح، صخرة اخرى غُرز فوقها صليب خشب متواضع، لكن فيه ما فيه من فداء وتضحية واستشهاد لأجل القيامة، صليب يرمز الى وجودنا المسيحي الحر في هذا العالم، ويشير الى شهادة ابطال المقاومة اللبنانية، الذين قاوموا المحتل حتى الاستشهاد للحفاظ على لبنان.

شو؟ حلو هالديكور يا شباب؟ يلتفت الشهداء، يبتسمون، تلمع عيونهم بعبق المكان ويذهبون الى رفاقهم يبحثون عن أسمائهم بين آلاف الاسماء، الذين يزينون الساحة كما كل عام.

ليست الاسماء وحدها من سيتصدر المشهدية، اذ ستنفلش شاشة كبيرة في خلفية المذبح، وستتوالى الصور تباعا مع مراحل القداس، صور ستذكّر بأن لنا بلدا هو من أجمل البلدان بالأساس قبل أن يجعلوه واحة لجهنمهم. بلد هو ارض القديسين اساسا قبل ان تدنسه اقدام الشياطين المحتلة الحاكمة. بلد مدروز في ترابه، شبرا شبرا، الاف الشهداء، شهداء جعلوا من ترابه سمادا للكرامة، جعلوا من عيونه الخضراء سهولا لكنوز الحب والتضحية. شهداء هم عمر عمرنا، هم قلوبنا النابضة ليس من تحت التراب ابدا، بل في رحب السماء، وفي عيون الرب، وفي سطور المجد التي كتبوها لأجل اسم لبنان وتراب لبنان، ولك شهداء ما زالوا أحياء في وفائنا لمسيرتهم، وفي دمع الاهل، وفي تلك النبضات التي تتسارع كشهب نار كلما اخبروهم ان ايلول هو ايلول الشهداء، وان الشهداء سيحضرون قبلنا قداسهم السنوي، ولكن، هذه السنة لن يحضر الاهالي الى معراب ولن يشاركوا، وهي السنة الثانية التي تعبر المناسبة من دون حضورهم “زعلوا الاهالي اكيد لكن ظروف كورونا ما سمحت انو نزيّن الساحة بحضورهم، لكن الحكيم ارسل لكل منهم، وفردا فردا عبر منسقي المناطق، رسالة تعزية وشكر وفخر لانهم اهلنا واهل الشهداء، ونشالله السنة الجايي يكون الوضع افضل ونرجع نتلاقى” تقول انطوانيت.

لم تشأ لجنة الانشطة في القوات التي تتولى تنظيم المناسبة، بالتعاون مع شركة ICE، ان تعبر المناسبة من دون اغنية خاصة بها وكما كل عام، فكان “حق الارزة لـ عم نرويها بالدم وبدموع الام، شعلتكن ما رح نطفيها لو بتشتي الدنيي همّ، نزلنا وقفنا استشهدنا قاتلنا شربنا مقفى كاس الهم…” يقول مطلع من الاغنية التي ستطلق بعد انتهاء الذبيحة الالهية. اغنية صاغ كلماتها الشاعر نزار فرنسيس كمن يصيغ جوهرة على وقع بارودة مقاوم ذهب الى استشهاده وهو يبتسم لربه لأنه كرّمه بنعمة التضحية لأجل لبنان، ولحنها الملحن رواد رعد كمن يرقص على الم قلب ووقع بسمة الكرامة في آن، حين تكون مناضلا وتصبح اما شهيدا لا يموت، او تبقى مناضلا حيا قيد الاستشهاد حين يدق الخطر ع البواب.

ويبقى الاهم، لماذا اصرار “القوات اللبنانية” على اقامة احتفالية قداس الشهداء التي ينتظرها الرفاق واللبنانيون كافة منذ العام 1991 حتى اليوم، من دون توقف مهما كانت الظروف. “القداس رسالة وفا لنضال الاجداد عبر التاريخ، القداس كلمة شكر لـ يللي قدموا حياتهم كرمالنا، القداس صلاة عابرة للزمن والمطرح ومنا لربنا مباشرة، نشكرو على نعمة وجودنا بالأرض وعلى نعمة المقاومة اللبنانية لكل الطغيان ل محاصرنا، وتعودنا اطلاق الرسائل بهالقداس واهم رسائلنا هو حتى نأكد على انو شهداءنا ما بيموتوا مرتين، لا بالاستشهاد الفعلي ولا بالنكران، هم احياء فينا وبنضالنا وباستمرارية قضيتنا كما هم احياء في الملكوت” تقول انطوانيت.

المقاومة مستمرة، شعار هذه السنة. ولعله اكثر الشعارات واقعية. مقاومة مستمرة في ظل احتلال عسكري حوّل لبنان الى ارض مسلوبة الارادة منهوبة الخير مذلولة في عار الطوابير واللاكرامة، وفي ظل سلطة فاسدة متواطئة مع الاحتلال حوّلت الشعب الى جماهير جائعة مريضة منهوبة من دون افق، واكثر من هذا وذاك، في ظل حرب اعلامية وشائعات تحاول وبكل شراسة النيل من سمعة القوات ومن نظافة كفها، بسبب مواجهتها الشرسة لكل تلك المنظومة المحتلة لبنان، فجاء شعار القداس ليوجه رسائله المباشرة باننا مصرون على المواجهة الحقة، وبأن الصمود مواجهة شخصية مفروضة علينا فردا فردا مقاوما مقاوما مهما كبرت الصعاب، مصرون على البقاء في وطننا رغم الشياطين المتحكمة به، مصرون على لبنان الكرامة الثقافة الجامعة المستشفى المرسح الفنون العلم الكهرباء التطور المصارف، رغم كل ما وصلنا اليه من تخلف وانحدار وانهيار.

طيب انطوانيت ماذا سيقول الحكيم في خطابه المنتظر؟ “لاء فيرا هيك كتير، ما فيكي تنطري للاحد تـ تسمعيه شو بدو يقول؟” ننتظر يا رفيقتي صديقتي، واعرف ان كل حرفا سينطق به هو بمثابة ازميل يحفر بحروف الحق والنار في وعر هذه السلطة المجرمة. واعرف اكثر ان كلامه سيغضبهم كثيرا وسيكرهونه ويكرهوننا اكثر واكثر بعد، لأنه كلام في الكرامة والايمان والمواجهة، في وجه من ادمنوا الذل والالحاد والتبعية والعار… في انتظارك حكيم.

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل