
كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1720
شهداء القوات “عِلمُها والخبر”
سمير جعجع لبناني، ولذلك يخشونه سلطويين وثورجيين
عندما يستحضر سمير جعجع في بعض خطبه ومواقفه البطريرك الأول للموارنة يوحنا مارون، باعتباره المقاوم الأول، فليس حصرًا لأنه كان قائدًا مسيحيًا مشرقيًا، بل لأنه كان أيضًا قائدًا لبنانيًا جمع بين الهمّ الزمني والرعاية الروحية، وجعل لبنان من خلال تكريسه وطناً وحيدًا للموارنة وليس للموارنة فحسب بل إلى جانب أبناء الطوائف الأخرى، موئل حرية وتنوّع، وعمل على فكرة التجذر في الجبل وفي الوعر، في الأرض الصلبة والصعبة، لتطويعها ليس من أجل بناء أمبراطورية أو للتوسع والهيمنة، بل من أجل ربط البشر بالحجر والشجر، في كيان صغير متمايز يستحق الفداء بالدم بعدما استنبته أبناؤه خيرًا وقمحًا بالعرق والتعب والقهر.
بناء على هذه القراءة، يصبح البطريرك الماروني تلقائيًا بطريرك لبنان الذي أعطي مجده، لا تعاليًا أو تشاوفاً، بل تأكيدًا على أن لبنان ارتبط في أبرز مفاصله التاريخية بالكنيسة المارونية، الكنيسة المقاومة والمناضلة والمجاهدة كي يبقى لبنان عزيزًا حرًا ومتمايزًا بتعدديته وانفتاحه على الشرق والغرب.
ولا ريب في أن «القوات اللبنانية» تتماهى إلى حد بعيد مع هذا إلإرث المقاوم، الذي يجعل لبنان أولاً، لبنان الذي يحفظ الجميل للآباء والأجداد والمقاومين والشهداء، لبنان الذي يفخر بفرادته وتلاوينه الغنية خلافاً لمحيطه الغارق في الأحادية، لبنان اللبناني لا المسيحي أو الماروني أو المرتبط بمحور شرقاً أو غربًا، لبنان المتناغم مع المحيط المشرقي والعربي.
«القوات اللبنانية» مع انطلاقها بهذه التسمية، وليس بأي تسمية أخرى بدفع من المؤسس بشير الجميل، حرصت دائمًا على هويتها اللبنانية وعلى خطابها اللبناني، فالعَلم هو العلم اللبناني ولو مرسومًا بخطوط معدلة مع الأرزة التي تتصدّره من دون أي شعار آخر حتى خلال الحرب.
ولدى «القوات اللبنانية» مئات الشهداء من الطوائف الإسلامية على اختلافها، ممن آمنوا بلبنان السيد الحر العزيز.
ومع ذلك، تعرضت «القوات اللبنانية» دائمًا للحملات والتشكيك ومحاولات الإلغاء أو الإحتواء منذ بداياتها من الأقربين أحياناً ومن الأبعدين غالبًا، لكنها استمرت لا تلوي على المتحاملين والحاسدين والمتطاولين، لأنها ترتكز إلى ثوابت ومبادئ وقيم لا تهتز أو تحتمل الزغل. ومن يتابع سياقها التاريخي، يجد أن الخطوط العريضة لمسار مواقفها من القضايا الأساسية لا تتغيّر، بل يمكنه أحياناً توقع ردات فعلها وكيفية تفاعلها مع التطورات.
بشير الجميل قيل فيه الكثير وفي قواته، أولادًا وأغرارًا يفتقدون الحكمة والخبرة، شبابًا متفلّتاً لا يلوي على شيء، هوس بمنطق القوة، وسوى ذلك من مبررات لكنها لم تنجح في المس بصورة «القوات»، بل إن بشيراً بعقله المؤمن ببناء المؤسسات وببناء الإنسان، ومع فريق تميّز بالكفاءة والعلم والثقافة، كسر محاولات التهميش ومحاولات التخوين ومحاولات الإستيعاب بخطاب ثوري متقدم وأداء نظيف شفاف، وانضباط نموذجي، فوصل إلى الرئاسة لأنه كان قائد «القوات اللبنانية قبل أن يكون إبن بيار الجميل، علمّا أنه تمايز عن والده واصطدم بأخيه مرارًا.
وبعد بشير تعرضت «القوات اللبنانية» لمساعي احتواء وصولاً إلى الضم بدفع من الرئيس أمين الجميل، لكنها وجدت الطريق لاستقلاليتها بعد أكثر من إنتفاضة أو إنتفاضة مضادة. ومع سمير جعجع إستعادت «القوات» قدراتها التنظيمية المتمايزة وتماسكها المؤسساتي وانضباطها، لكن الظروف معطوفة على بعض النوايا جعلتها في لحظة معينة في مواجهة ظاهرة جديدة تخرج عن التقليد وعن الثوابت المبدئية لمصلحة الطموحات السلطوية، وتمثلت بالعماد ميشال عون رئيسًا للحكومة العسكرية آنذاك والذي تبنى مبادئ «القوات» ظاهرًا، وهو من الضباط الذين كانوا إلى جانبها في إحدى المراحل، ليحاول الإنقضاض عليها، وقد عرف اللبنانيون في حينه دعاية من نوع جديد لم يألفوه في حياتهم السياسية وحتى خلال مرحلة الحرب، دعاية مبنية على التجني والتلفيق والكذب وحرف الحقائق والتزوير والشيطنة، وقد أخذ هذا الأسلوب بعقول شرائح واسعة لا سيما مسيحية اندفعت لتأييد عون بشكل تلقائي يخرج عن سياق ردود الفعل المنطقية، الأمر الذي أتاح للماكينة الدعائية العونية الذهاب بعيدًا في الحملات مستفيدة من تعطل أو تعطيل المنطق لدى تلك الشرائح في ما يعرف بالبرمجة المسبقة لردود الفعل لدى الجمهور أو ما يعرف بـ conditionnement des masses على غرار المدرسة النازية بقيادة جوزف غوبلز.
ومع السلم الأهلي المفخخ، بدأت حملات أخرى بأساليب متنوعة، علما أنها استفادت من التجربة السابقة، فانطلقت بشراسة على خلفية التخوين والإتهامات وتركيب الملفات بادعاء سعي «القوات» إلى الفتنة وتفجير الوضع الداخلي، وهل من داع للتذكير كيف راح وزير الإعلام ميشال سماحة يفجر ينابيع العمالة لإسرائيل لدى إعلانه حل حزب «القوات اللبنانية»؟
اليوم، تقف «القوات اللبنانية» في المرصاد لعودة شياطين بل أساطين الدعاية المغرضة وحملات الإفتراء، لكن الفارق أن جماعة السلطة وفريق الممانعة و8 آذار، يلتقون مع بعض المجموعات التي تدعي الإنتماء إلى الثورة في استهداف «القوات اللبنانية»، التي يزعجهم كما يبدو عدم اصطفافها هنا أو هناك، لأنها مع سمير جعجع حريصة على التمايز، فهي دائمًا تصطف إلى جانب الناس سواء شاركت في الحكومات، حيث تخوض مواجهات قاسية، وتعرف كيف تستقيل عندما تصل الأمور حد التعجيز، وسواء كجزء من الثورة من خلال جمهورها الذي شكل العصب الأساسي في الحراك الشعبي لفترة طويلة.
ومن الواضح أن ثبات شعبية «القوات اللبنانية» إن لم يكن تنامي جمهورها بنسبة أو بأخرى، هو الذي يزعج أهل السلطة وفريق الممانعة، ولا سيما التيار الوطني الحر الذي يجد نفسه في تراجع كبير جعل من «القوات» الحزب الأول على الساحة المسيحية.
أما ما يزعج بعض أدعياء الثورة من أحزاب ومجموعات معينة، فهو أيضًا فشلهم في سحب جمهور «القوات» إلى جانبهم والسعي عبثاً إلى جره نحو الفتنة على خلفية اتهامه بالطائفية والفئوية. وهذا ما كشفته وقائع عدة، بدءًا بتماهي تلك الأحزاب والمجموعات مع فريق 8 آذار، بارتباطات معروفة أو عبر تحييد «حزب الله» وسلاحه، في مقابل إستهداف «القوات اللبنانية» ورئيسها بشعارات تافهة على غرار «سمير جعجع صهيوني»، أو من خلال إستهدافات ميدانية مباشرة على غرار الهجوم بالمولوتوف والحجارة على مركز «القوات» في الجميزة، في خطوة مفتعلة وخبيثة يقف وراءها الحزب الشيوعي الذي يبدو أنه أضاع البوصلة ولم يعد يعنيه شيء من عناوين السيادة والإصلاح والشفافية ومن تراث شهيده الأول جورج حاوي.
بالطبع ليس سمير جعجع هو الصهيوني، وهو الذي أقفل بقرار منه مكتب الإرتباط الإسرائيلي في ضبية، وهو الذي يتمسك بالعمق العربي للبنان، ويقيم أفضل العلاقات مع السلطة الفلسطينية، بينما سواه يسكت بل يتفرج أحياناً ويتواطأ مع لعبة تبادل الخدمات بين إسرائيل ومحور الممانعة، بما يؤمّن الحدود الشمالية لإسرائيل ويرسّخ الهدوء في الجولان، ويتخذ من المقاومة الدعائية لإسرائيل مبررًا للقمع والهيمنة.
أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]