اتفاق تبادل الأسرى.. تنفيذاً لبند من بنود القرار 1701
غني عن القول أن الاتفاق الذي سيؤدي الى عودة الأسرى اللبنانيين وجثامين الشهداء من سجون اسرائيل ومقابرها هو انجاز لبناني بكل ما تعنيه الكلمة، وأن لبنان عن آخره سيكون سعيدا به لدواع عديدة بينها اقفال ملف من ملفات كثيرة بينه وبين العدو الاسرائيلي، تماما كما هو غني عن القول ان قيادة "حزب الله" أدارته بشجاعة وكفاءة عالية أوصلته الى ما هو عليه.
الا أن ما ينبغي عدم تجاهله في الوقت ذاته، وقد أشار اليه بسرعة الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي، أن الاتفاق تم برعاية الأمم المتحدة ممثلة بموفد ألماني من أمينها العام بان كي مون تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1071، وأنه شكل الخطوة التنفيذية الثانية بعد زيادة عديد قوات "اليونيفيل" الى اثني عشر ألف عنصر وانسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي احتلتها في عدوان العام 6002، وأن ذلك كله تم على خلفية النقاط السبع التي قررتها الحكومة اللبنانية في ذلك التاريخ وتبنتها لاحقا الأسرة الدولية في القرار المشار اليه.
كيف ذلك ؟!،
ورد موضوع تبادل الأسرى في البند التمهيدي الثالث من القرار الذي نص على "الحاجة الى وضع حد للعنف، ولكن في الوقت ذاته الحاجة الى المعالجة الفورية للأسباب التي أدت الى اندلاع الأزمة، بما في ذلك الافراج غير المشروط عن الجنديين الاسرائيليين المخطوفين"، كما في البند التمهيدي الرابع الذي نص على الأخذ في الاعتبار "حساسية مسألة السجناء، وتشجيع الجهود الرامية الى وضع تسوية عاجلة لمسألة السجناء اللبنانيين المعتقلين في اسرائيل".. ثم في نهاية القرار عندما جاء النص على تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالعمل على تنفيذ ما ورد فيه وتقديم تقارير دورية الى المجلس حول ما تم تنفيذه وما لم يتم وأسباب ذلك.
وفي البند الخامس منه، نص القرار على أن المجلس "يرحب بجهود رئيس الوزراء اللبناني، وبالتزام الحكومة اللبنانية، في خطتها المكونة من سبعة بنود، ببسط سلطتها على أراضيها كاملة الخ..".
ليس الهدف من هذا الكلام، في حال من الأحوال، التقليل من أهمية الانجاز الذي حققته قيادة "حزب الله" في مفاوضاتها الشاقة، وغير المباشرة، مع العدو الاسرائيلي، الا أنه لا يعني في الوقت ذاته امكان التنكر لأهمية، بل وحتى لفرادة، قرار مجلس الأمن الرقم 1071 الذي أنهى عدوانا مدمرا ووحشيا شاملا على مساحة الأراضي اللبنانية وشمل بجرائمه كل مدينة وبلدة وقرية، بل وكل فرد، فيها.
أما بسالة المقاومين في وجه هذا العدو، وبذلهم دماء سخية واستشهادهم في صد العدوان وتاليا في منعه من تحقيق أهدافه، فلا حاجة الى تكرار الحديث عنها في هذه العجالة.
الحاجة هنا الى عمل اللبنانيين، قوى سياسية وأحزابا وجماهير (طوائف ومذاهب، كي لا ننسى أننا في لبنان) من أجل التنفيذ الكامل لبقية بنود القرار الدولي المشار اليه بما فيها أساسا انهاء احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وإعادة إحياء اتفاق الهدنة الموقع بين لبنان وإسرائيل في العام 9491.
وفي القرار 1071 نصوص صريحة حول هاتين النقطتين. فقد ورد في بنده التنفيذي الرقم 5 أن مجلس الأمن "يكرر أيضا، كما في كل قرارته السابقة ذات الصلة، اعلان دعمه القوي لسلامة لبنان الاقليمية وسيادته واستقلاله السياسي في اطار حدوده المعترف بها دوليا، وحسب ما ورد في اتفاق الهدنة العامة الاسرائيلية ـ اللبنانية الموضوعة في 32 آذار العام 1949". كما ورد في البند التنفيذي الرقم 01 أنه "يطلب من الأمين العام أن يعد، بالتنسيق مع فاعلين دوليين أساسيين والفرقاء المعنيين، اقتراحات لتطبيق بنود اتفاق الطائف ذات الصلة وأحكام القرارين 9551 (4002) و0861 ( 6002)، لا سيما في ما يتعلق بنزع السلاح، وترسيم حدود لبنان الدولية، وبشكل خاص في المناطق حيث هناك نزاع أو لبس حول الحدود بما في ذلك عبر معالجة مسألة مزارع شبعا، وأن يرفع تلك الاقتراحات الى مجلس الأمن في غضون ثلاثين يوما".
سيحتاج تحقيق ذلك الى وقت، وربما الى مفاوضات غير مباشرة كما في اتفاق التبادل الأخير، الا أن ما أنجز على صعيد اعادة الأسرى والجثامين من جهة وما تقوله من جهة ثانية منظمة الأمم المتحدة ـ والولايات المتحدة بشكل خاص ـ حول امكان انسحاب القوات الاسرائيلية من مزارع شبعا ووضعها في عهدة قوات "اليونيفيل"، يستدعي وحدة موقف اللبنانيين في الدعوة الى التنفيذ الكامل لبنود القرار 1071.
فهذا القرار، لمن لا يتذكر (ولعله لا يريد أن يتذكر!)، يندرج بين أول القرارات الدولية التي تم تنفيذها ـ أو تنفيذ جزء منها ـ في خلال أقل من عامين على صدورها. وحكاية القرارين 242 و833 اللذين صدرا قبل 93 عاما بالتمام والكمال، وتجري سوريا والسلطة الفلسطينية مفاوضات حولهما في هذه الفترة بالذات، معروفة للجميع.
قبل اتفاق تبادل الأسرى، تحت علم الأمم المتحدة وفي سياق القرار اياه، جرى سحب القوات الاسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي احتلتها في عدوان العام 6002، وتم نشر الجيش اللبناني على كامل "الخط الأزرق" على الحدود، وزيد عدد أفراد قوات "اليونيفيل" لمساعدة القوات اللبنانية في تنفيذ مهامها، كما تم تسليم خرائط الألغام ـ وان لم تكن كاملة بحسب السيد نصر الله ـ الى السلطات اللبنانية والدولية العاملة في الجنوب.
وبالطبع، لا يزال هناك الكثير مما يقتضي عمله لاستكمال تنفيذ القرار، لكن الكثير أيضا قد تم تنفيذه كذلك. واذا أخذ في الحسبان، مدى الدمار الذي ألحقه عدوان العام 6002، ليس بالحجر والبشر والبنية التحتية من الجنوب الى أقصى الشمال والشرق فقط، بل بالبنيان المؤسس للدولة والوطن اللبنانيين كذلك، يكون القرار 1071 (بما له، وما عليه؟) قد ساهم في صيانة البقية الباقية من الدولة في لبنان.. حتى عندما كانت الدولة تهتز وتترنح بقوة، من دون رئيس للبلاد وبمجلس نواب مقفل وحكومة ينكر البعض حتى مجرد وجودها.
وصحيح أن وضع مزارع شبعا في عهدة "اليونيفيل" ليس تحريرا كاملا، أو هو "منقوص" بانتظار عودة كل شبر من الأرض الى السيادة اللبنانية، لكن الصحيح أيضا ان الأمم المتحدة أو القوات المسلحة العاملة تحت علمها ليست احتلالا، فضلا عن أن تكون احتلالا ذا أطماع تاريخية بلبنان كما هو حال الاحتلال الاسرائيلي.
وصحيح أيضا أن الانتهاكات المستمرة للأجواء والمياه والأراضي اللبنانية لم تتوقف بعد، وأن اتفاق الهدنة قد لا يحول دون مواصلتها، وأن خرائط الألغام المسلمة لا توقف نزيف الدم لدى مزارعي قرى الجنوب، لكن الصحيح كذلك أن التجارب اللبنانية، بل والعربية الشاملة، مع 06 عاما من الكيان الاسرائيلي ينبغي أن تكون قد شكلت درسا، أو بعض الدرس، بالنسبة للحاضر والمستقبل اللبنانيين.
ويبقى السؤال، من ضمن أسئلة لبنانية عديدة، هو: هل يشكل اتفاق تبادل الأسرى مع اسرائيل حافزا لاتفاق آخر بين اللبنانيين (موضوع السلاح متروك للحوار، وللاستراتيجية الدفاعية) على الدفع بقوة لتنفيذ بقية بنود القرار الدولي الرقم 1071 ومندرجاته؟!.