#adsense

لئلاّ تسقط الثورات وتبقى الأنظمة!

حجم الخط

 قد يَتضرّرُ مسيحيّو الشرقِ أمنيا ديموغرافيا جَـرّاء انحرافِ الثوراتِ في الدولِ العربيةِ عن مسارِها التقدّمي. لكنّ انتشارَ المطالبة بالحريّـة في أرجاء العالم العربيّ هو، بحدِّ ذاتِه، انتصارٌ يُحقِّـقُه مسيحيّو الشرق. فالحريّـةُ فكرةٌ شَهَرها المسيحيّون في وجه الأنظمة الجائرة منذ بزوغِ المسيحيّةِ في هذه الأرضِ الآرامـيّـةِ، الكنعانـيّـةِ، الفينيقـيّـةِ والعربـيّـة. وإذا هُم شَهروها فلأنهم اضطُهِدوا أكثرَ من غيرهم.

وبمنأى عن الحالةِ الأصولـيّـةِ الإسلامـيّـة، مفارقةُ التاريخِ الظالمةُ هي أنَّ تأثيرَ الفكرِ المسيحيِّ يَزدادُ في المجتمعاتِ العربـيّـة، فيما عددُ المسيحيّين يَنخفِض في الشرق وانتشارُهم يَنحسِر. إنّه انزواءُ الجسدِ وقيامةُ الروح. إنّه لقاءُ الفكرِ المسيحيّ وحاجةِ الإسلام. إنّه حِوارُ النبيّ محمد مع الراهبِ بَحيرة، "وَرَقة بن نَوفل". إنّه انبعاثُ القبائلِ المسيحـيّـةِ التي أسلَمَت كَـ تَغلِب ولَخَم وغسّان وكَلب وبَكر وكِندَة وطاي وتَـنوخ وعُباد وحارث ومازن ويحيا وآياد… ألا لهؤلاءِ الأقوامِ حَقُّ العودةِ أيضا؟

من دون ادّعاءٍ أو مِنَّـة، قَـدَّم المسيحيّون لأبناءِ الشرقِ أفكارا إنسانـيّـة وسياسيّـة عظيمة: قَدّموا مفهومَ "سماءِ الميعاد" لدحضِ نظريةِ "أرضِ الميعاد" اليهودية، ومفهومَ السلامِ لرفضِ مفهومِ الحرب. قَدّموا مفهومَ الجماعةِ الحرّةِ والآمِنة إبَّـانَ السيطرةِ الرومانيةِ والفتحِ الإسلامي، ومفهومَ التجذُّرِ في الأرضِ وسْطَ حالةِ البداوةِ النازِحة. قَدّموا مفهومَ الانفتاحِ السلميِّ على الآخَر في الشرقِ والغرب، ومفهومَ المحـبّـةِ والغفرانِ والمساواةِ عِوضَ الثأرِ والتسامحِ والذِمـيَّـة. قَدّموا مفهومَ الحفاظِ على الوجهِ العربيِّ للدولةِ الإسلاميةِ أواسطَ العهدِ العَـبّـاسيِّ وفي أثناءَ حكمِ الفاطميّين والمماليك، ومفهومَ القوميّـةِ العربـيّـةِ للتخلُّصِ من الاحتلالِ العُثماني. قَدّموا مفهومَ استقلالِ الشعوبِ العربـيّـةِ عن الاستعمارِ الغربي، ومفهومَ التآلفِ الحضاري بين الأديانِ من خلالِ دولةِ لبنان. قَدّموا مفهومَ الأحزابِ بديلا عن الإقطاع، ومفهومَ الديمقراطيةِ نظاما ليكونَ الشعبُ مصدرَ السلُطات. قَدّموا مفهومَ العَلمنةِ للتمييزِ بين الدينِ والدولة، ومفهومَ الاتحادِ الإقليميّ كمشروع وِحدوي وكجَبهةٍ لمواجهةِ إقامةِ دولةِ إسرائيل.

بغضِّ النظرِ عن نجاحِ تجاربِ هذه المفاهيم أو فشلِها، وعن مدى التزامِ الثوراتِ العربية بها، لم يَستورِد مسيحيّو لبنانَ والشرقِ هذه المفاهيمَ من الغرب، ولم يَنتظروا الثورةَ الفرنسيّةَ ولا شِرعةَ حقوقِ الإنسان لينشُروا هذه المفاهيمَ ويُبشِّروا بها. لقد استوحوها من الإنجيل. في آياتِه وجدوا روحَ الثورةِ والحرّيةِ والمساواةِ والعلمنةِ والأخوّةِ والشراكةِ، وحقَّ الشعوبِ في تقريرِ المصير. اِقرَأ الإنجيلَ مرة تُحِب، واَقرَأه ثانية تَثُر. ويسوعُ المسيح هو شهيدُ التغيير. افتدى الإنسانَ الجديدَ لينقِذَه من "حالةِ الطوارئِ" التوراتـيَّـةِ والتلموديّةِ والرومانيّة. والذين طالبوا بصَلْب المسيح هم أولئك الذين خافوا منه على سلطتِهم لا على إيمانِهم. لقد واجهَ قمعَ الرومان، وأحاديَّـةَ اليهود، وفَسادَ الكَتبةِ والفَرّيسيين وتواطؤَ الكُـهَّان والصَدّوقـيين.

لم يُقدِّم المسيحيّون هذه الأفكارَ والمفاهيمَ إلى أنفسِهم، بل إلى الإنسانِ في هذا الشرق؛ إلى المسلمِ قبلَ المسيحيِّ، وإلى المُلحِد مثلَ المؤمن. وَضعوها في تصرِّفِ مجتمعاتِهم وبيئتِهم ومحيطِهم. وحين يَعـتَنِقُ "الآخَرُ" هذه الأفكارَ الكونيةَ ويُطـبِّـقُها يَصِلُ ـ مَبدئـيّـا ـ إلى المسيحيِّ حقُّـه حرية وأمنا ومساواة. لا بل تَنتشِرُ المسيحيّـةُ وإنْ من دونِ مسيحيين؛ ما هَمّ، فحيث تكون قِـيَمـنُـا نكون، وحيث تَغيبُ لا نكون وإن كُـنّـا.

وعِوضَ أن يُقدِّرَ العالمُ العربيُّ هذا الإسهامَ المسيحيَّ في نهضةِ الشرق، فـتَحتضِنَ "الثوراتُ" العربيةُ المسيحيين وتُعـزِّزَ دورَهم وتُوفِّرَ لهم الأمنَ والطمأنينةَ أكثرَ من الأنظمةِ البائدة، نرى الثوّارَ، وقد برزَ بينهم ثيران، يُمعِنون في اضطهادِ المسيحيين وقتلِهم وإحراقِ كنائسِهم وتدنيسِ مقدّساتِهم وتفجيرِ منازلِهم وتهجيرِ عائلاتِهم في الجزائرِ والعراقِ ومِصر وغيرِها. إن كان مسيحيّو الشرقِ لا ينتظرون مكافأة على قيم نَشروها، فما كانوا يَتوقّعون بالمقابلِ اضطهادا مِن الأنظمةِ و"الثورات".

أليس من بابِ الوقاحةِ أيضا، أن يأتيَ من يتعاطى مع مسيحيي الشرق، ولا سيما مع مسيحيي لبنان، على أساسِ قاعدةِ العدد. فما قيمةُ عددِ المسيحيين أمامَ نوعيّةِ الأفكار التي أغنَوا الشرقَ والعربَ بها؟ أنَظنُّ أن قيمةَ الدولِ الكبيرةِ، من أميركا إلى الصين مرورا بالدولِ الأوروبية، تَكمُن في عددِ سكّانِها، أم في تقديماتِها الفكريّةِ والعلميةِ للحضارةِ الإنسانية؟

قد يكون العددُ ورَقة تفاوضية بين مكوّناتِ كيانٍ ما في مرحلة مأزومة، لكنّه ليس قاعدةَ علاقات اجتماعية وسياسية ووطنية دائمة. وفي النهاية، إنّ مسيحيّي الشرقِ ليسوا أقلّية، بل من القلائلِ الذين يناضلون من أجلِ شرق مجيد وجديد تَسوده القيمُ الإنسانيةُ الجامعة. لذا، وبغضِّ النظرِ عن نِسبةِ عددِهم ومدى انتشارِهم، وبمنأى عن قوَّتِهم وضُعفِهم، التزمَ المسيحيّون مبادئَ الانفتاحِ والحوارِ في لبنانَ والشرقِ، فلم يَحتكِموا إلى السلاحِ دفاعا عن وجودِهم فقط، بل عن وجودِهم مع المسلمين. والمذابحُ التي تعرّض لها مسيحيّو العراق ـ ولبنان أيضا ـ ما كانت لتحصُلَ لو قَبِلوا الانعزالَ، كغيرِهم، عن المُسلمين. وللتذكير، إنَّ المسيحيّةَ عَمّت سلميا بلادَ الرافدَين سنةَ 60 ميلادية. ولمّا دخلَها خالدُ بن الوليد بالقوّة، قال لمسيحيّيها: "أنتم منّا، فما الذي يَربُطكم بالرومان؟"

إن المسيحيين المشرقيين، وهم يُهلِّلون الآنَ لأصواتِ الحريّةِ تَصدَح في ربوعِ العالمِ العربي والإسلامي، يَحُـزُّ في قلوبِهم أن يستهدفَهم العنفُ "الواعي". إنَّ أوّلَ شهداءِ ثوراتِ الشرق، اليومَ، هم مسيحيّون من مصر. أهكذا يَـرُدُّ مسلمون متطرّفون التحيةَ على البابا شنودة الذي حَظّر على الأقباطِ الحجَّ إلى أورشليم منذ حربِ سنةِ 1967 وما دام الاحتلالُ الإسرائيليُّ قائما؟ أهكذا يَشكر مسلمون متطرّفون الأقباطَ الّذين نَقَموا على الحكمِ الروماني ففتحوا أرضَ مِصر أمامَ الإسلامِ فدخلها عَمرو بن العاص سنةَ 641؟

إذاً، ليس من قبيلِ المصادَفات أن يُعلنَ الرئيسُ الفرنسي نيكولا ساركوزي وجودَ "مخطّطِ تطهير دينيّ يَستهدفُ مسيحيّي الشرق". وليس من قبيلِ المصادفات أن يدعوَ وزيرُ الخارجيةِ الإيطالية فراتيني إلى "ربطِ المساعداتِ الأوروبيةِ إلى الدولِ العربيةِ بقوانينَ تُصدرها لحمايةِ المسيحيين". وليس من قبيلِ المصادفات أن تَذكرَ منظّمةُ الأمنِ والتعاونِ الأوروبيةِ لمكافحةِ العنصريةِ ومعاداةِ الأجانب: "أنَّ المسيحيين يواجهون الاضطهادَ في 50 بلدا، بينها 30 دولة إسلامية، وأنّ 200 مليونِ مسيحيّ يُحدِق بهم الخطرُ في العالم، وأنَّ 75 في المئة مِـمّن يُـقـتَـلون لأسباب دينية هم مسيحيّون". لقد نزَل المسيحُ عن الصليب، لكنَّ مسيحيّي الشرق لا يزالون مصلوبين. إنّهم مصلوبون في إسرائيل وفِلسطين والعراق ومِصر ودولِ الخليج، وفي إفريقيا وآسيا (وفي لبنان بين 8 و 14 آذار).

حان للإسلامِ في الشرقِ أن يَتعاطى مع المسيحيّين من دونِ عُقدةِ "الخوفِ من المُـمَـيَّـز"، وخصوصا أنّ هذه العُقدةَ، وإن أساءت إلى المسيحيّين عدديّـا (الديموغرافيا)، فإنّها أساءت إلى الإسلامِ نوعيّـا (الريتروغراديا). وحان للإسلامِ المتطرِّف، المُحوِّرِ القرآنَ، أن يُدرك عجزَه عن إلغاءِ دَمغةِ المسيحيةِ من الشرقِ وتأثيرِها التاريخيّ في لبنان. لا يُمكن تَصفيةُ الصَفْوة.

انطلاقا من كلِّ هذه التحدياتِ والوقائعِ التي تَحوطُ بمسيحيي لبنانَ والشرق، أيجوز أن يَبقى أركانُ المسيحيّةِ اللبنانيةِ مختلِفين على الصغائرِ ويتبادلون الاتهاماتِ التافهةَ فيما الشرقُ يَضطَرب والوجودُ المسيحيُّ يَنحَسِر؟ انبُذوا خلافاتِكم، تَعالوا على حساسياتكم وحساباتِكم الشخصية. ابْحَثوا عمّا يَجمَعُـكم وهو ثابتٌ، لا عمّا يُخلِفكُم وهو عابر. تَخطّوا ثوابتَ "البريستول"، وإعلانَ "البيال" وتفاهمَ مار مخايل واتفاقَ الدوحة وأوراقَ 8 و14 آذار، وادخُلوا إلى قيمِ الإنجيلِ وفرحِه، إلى عظةِ الجبلِ وتَطْويباتِها. هكذا تدافعون عن الوجودِ المسيحيّ الحرّ في لبنان والشرق. هكذا تُحصِّنون أنفسَكم لمواكبةِ التحولاتِ التاريخيةِ الكبرى. هكذا تصبحون حامِلي إرثِ آبائِنا وأجدادِنا. وهكذا تَتحضّرون لاستقبالِ قيمِ المسيحيّـةِ العائدة. إنّ دورَ المسيحيين تاريخيا كان يَقوى في زمن ثوراتِ الشعوبِ العربية لأنهم أحدُ صانعيها، ويَضعَف في زمنِ الأنظمةِ الجائرةِ لأنها تَعتبرُهم ذِمِّـيّيها.

من هذه الذِهنيةِ المنفتِحةِ على الآخَر، وتحديدا على المسلمِ العربي، لا بد من طرحِ فكرتين: الأولى باتجاهِ الوضعِ المسيحيِّ، والأخرى باتجاهِ الحالةِ العربيةِ الثائرة عموما، وهما:

1. إنشاءُ هيئةِ المسيحيين العرب، ومُهمَّـتُها الدفاعُ عن الوجودِ المسيحيِّ المشرقيِّ في كلِّ المحافلِ العربيةِ والدولية، واقتراحُ الـنُظمِ الدستوريةِ التي تَحفَظ أمنَ الجماعاتِ المسيحيّـةِ وحريّـاتِها وحقوقَها الوطنيةَ في إطارِ الشراكةِ المسيحيةِ ـ الإسلامية.

2. دعوةُ المشاركين الأساسيين في القِمّةِ الروحيةِ اللبنانيةِ التي انعقَدت في بكركي إلى القيامِ بجولة على كلِّ الدولِ العربية وإيران، فـيُقدِّمون عبرَ تعدديتِهم نَموذجا لبنانيا للقاءِ الأديان، ويُحِثّون القوى المتصارعةَ هناك على الإصلاحِ والتغييرِ والمصالحةِ والحوار.

هذه رسالةُ لبنان، وهذه حاجةُ العرب، قبل أن تَنـزَلقَ الثوراتُ أكثر فأكثر في العصبياتِ القاتلة، والأنظمةُ في القمعِ الانتحاري، فتسقُط الأنظمةُ ولا تَنتصرُ الثورات.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل