.jpg)
.jpg)
كتبت ريما بجاني في “المسيرة” – العدد 1720
راحوا… كيف يعيش أهالي الشهداء حزنهم؟
لن ننسى!!
من منَّا لم يفقد عزيزًا على قلبه؟ من منَّا لم يشعر يوم تفجير مرفأ بيروت أن كل ضحية كانت تشكل فردًا من يوميات حياته، من صفحات ذاكرته. يومها مشينا كلنا في جنازات وراء نعوش بيضاء محمّلة بالحجارة والأشلاء… وما أشبه اليوم بالأمس، حيث مشينا قوافل وراء نعوش شهدائنا وبكينا مرفوعي الرأس ومكلّلين بهامة الكرامة والشرف والتضحية التي رُفعت على قبر كل شهيد.
لكن ماذا بعد دفن موتانا؟ كيف يتعايش أفراد عائلتهم مع الحزن؟ وماذا تعني مرحلة الحداد؟
الحداد بمعناه النفسي، المعروف بـ le deuil، هو مرحلة أساسية يُفترض أن يمرّ بها كل إنسان فقد شخصًا عزيزًا، إذ تساعده على قبول الواقع والعمل على إزالة الإحساس بالإحباط ومتابعة الحياة بطريقة أو بأخرى.
الحداد تحت مجهر علم النفس
من خصائص الحداد الحزن العميق والوجع الناتج عن فقدان شخص عزيز. فالتعلّق العاطفي بالشخص، سواء أكان زوج أو أب، إبن أو قريب، يحتاج الى آلية للعمل على الإنفصال العاطفي عنه بعد الموت. وهذا ما تكلم عنه المحلل النفسي الألماني فرودي، حيث قال «إن الحداد هو مرحلة أساسية لمساعدة الأشخاص المصابين بحزن الفقدان على الإنفصال تدريجيًا عن الشخص المتوفي. إضافة الى الشعور بالتعب الدائم وفقدان القدرة على القيام بالأمور الحياتية اليومية. وهذه من الأمور الأساسية التي يجب العمل عليها خلال فترة الحداد لمساعدته على إتمامها والإنخراط بالحياة اليومية من خلال بعض النشاطات بعد فترة معينة، وهذه المرحلة تختلف بين شخص وآخر.
فكرة إستعادة نمط الحياة تدريجًا لا تعني أن الشخص الذي فقد عزيزًا على قلبه سينسى. فهذا غير وارد وليس مطلوبًا في الأساس. المطلوب العمل على استعادة بعض العادات اليومية المهمة التي يكون الشخص المحزون قد تخلّى عنها.
ماذا يحدث بعد فترة من الفقدان إذا لم يتعامل الشخص المحزون بطريقة جيدة مع الحزن والموت؟
بعض الأشخاص يعيشون الحزن بطريقة قاسية مختلفة، وبدل أن تخف الوطأة مع الوقت، نراهم يتفاعلون بطريقة سلبية، وتتزايد الإضطرابات والمشاكل ويتحوّل الحزن الطبيعي الى حزن intense شبيهة عوارضه بعوارض الكآبة، ويتملّكهم كل حياتهم. وهذا يتوقف على أسباب الرحيل سواء أكانت بطريقة مفاجئة، مرض، حادث معيّن، وكذلك الأمر بالنسبة الى العمر.
ماذا عن أمهات وآباء شهداء المقاومة اللبنانية، وكيف يعيشون حزنهم؟
من خلال ما أوردنا سابقاً، نستطيع أن نكوِّن فكرة عن كيفية العيش مع الحزن على رغم خسارة شخص عزيز. وإذا ما دخلنا في عمق مفهوم التعامل مع الموت نلاحظ أنه يتشابه بين الشهيد والموت المفاجئ. وهنا تكون نسبة تخطّي الحزن والتعايش معه ضئيلة جدا.
من هم أهالي الشهداء؟
هم أناس عاشوا ظروفاً مصيرية، حتى قبل الحرب، إذ إن ظواهر الإنفلات الأمني والتهديد المصيري بدأت تتظهَّر. والأهم أن غالبية أهالي الشهداء هم أناس وطنيون مفعمون بالعنفوان والبطولة، وقد ربّوا أولادهم على هذه الأسس، مما يجعل الإستشهاد فعل بطولة وبذل ذات من أجل إستمرارية الآخر، فتختلط مشاعر الحزن مع الروحانية من جهة، والفخر والإشتياق من جهة أخرى، لذلك يكون فعل التعامل مع الحزن غير محدد، لجهة الإنفعالات التي تكون متناقضة نسبة لظروف إستشهاد أولادهم. فمن جهة يحزن الأهالي على فقدان أولادهم، ومن جهة أخرى هم مدركون لأهمية التضحية التي قاموا بها.
ما بين إدراك الأهمية والحزن الشديد على فقدان «الغالي»، يعيش أهالي الشهداء بعض الإزدواجية على مستوى الحزن. من هنا تأتي أهمية إستذكارهم بقداس سنوي الذي يشكل محطة دعم معنوي ويرافقهم في مشوار العمر في غياب الأحباء!!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]