
لقد تطرَّقت في مقالي: “الحكّام النّازحون عن الوطن”، الى أنّ الحلَّ الممكِنَ للأزمةِ الكارثيّةِ التي زَجَّنا في أَتونِها، الحاكِمون والسّاسة، يكمنُ في الانتخابات، وهي الوجهُ التّطبيقيُّ للديمقراطيّة.
وقد أشرتُ، في هذا السِّياق، الى وجوبِ تَوَفُّرِ شَرطَين إلزاميَّين، هما وَعي النّاس لخطورةِ إعادةِ تكوينِ هذه المنظومةِ نفسِها التي لوَّثَت الوطن بالفساد، والعَمالةِ، وقَضَت على مشروعِ الدولةِ التي، وحدَها، تصون حقوقَ مواطنيها.
لذا، من واجبِهم الوطنيّ الإقبالُ الكثيفُ على صناديقِ الاقتراع، ومَنحُ أصواتِهم للمرشحّينَ الذين يؤمنون بالكيان، ويدافعون عن الهوية، ويرفعون لواءَ حقوقِ الناسِ لينعمَ الجميعُ بالعدالةِ، والمساواةِ، والحريّة، والأمانِ بالنسبةِ للمستقبلِ وللمصير.
أمّا الشَّرطُ الثاني، فإنشاءُ قاعدةٍ قياديّةٍ من القوى الشعبيّةِ، والسياسيّة، التي تلتقي في مقاربةِ القضيّةِ اللبنانيّةِ، وفي إستراتيجيا المواجهة، لتعملَ على وَضعِ مخطَّطٍ واضحٍ يؤمِّنُ النقلةَ النوعيّةَ المَأمولة.
وذلك، بتكوينِ لوائحَ انتخابية واحدة، تواجهُ لوائحَ السّلطةِ، وفي كلِّ المناطقِ والدّوائر، بعيداً عن الشَّرذمةِ، لتحقيق القيامة المَرجوّةِ للوطن. والدّليلُ الأبرزُ، في هذا الصَّدَد، ما حقَّقَتهُ الجبهةُ اللبنانيّة في عهدٍ مضى، من دَحرٍ لأعداءِ الكيان، والمتآمرينَ على الدولةِ، عندما رَصَّت صفوفَها، وتجاوزَت شكليّاتِ تناقضاتِ أركانِها الشخصيّة، فحقَّقَت ما فاجأَ السّلطةَ الموبوءةَ، آنذاك، وأعادَت عقاربَ الزّمنِ الى عصرِ كرامةِ الوطن.
ولكن، تصفَّحتُ مواقفَ بعضِ الأطرافِ المُشارِ إليهم في الشَّرطِ الثاني، وأجريتُ حواراتٍ مع بعضِهم الآخر، واستمعتُ الى مداخلاتٍ لقيادِيّيهم، وقارَنتُ كلَّ ذلك بممارساتِهم وخلفيّاتِهم، فذُهِلت.
لقد حسِبتُ أنّ هؤلاءِ يمارسونَ، معي، أسلوباً تنكيليّاً، هَشَّمَ قناعاتي، وأَنضَبَ الدّمَ من أفكاري، وأَتلَفَ رجائي، واختلَسَ كنزَ آمالي بالتَّغييرِ الآتي.
كان هؤلاءِ، في خُطَبِهم، وتصريحاتِهم، ينزعونَ نزعةَ الوطنيّة، والمصلحةِ العموميّة، في مواجهةِ صريحةٍ لأداءِ السلطةِ المُعوَجِّ والذي ينحرُ الدولةَ من داخلِها، وفي رَفضِ الهيمنةِ الدّخيلةِ التي يمهِّدُ لها بَلَدِيّون مشبوهون، وفي طَيِّ صفحةِ القهرِ، والظّلمِ، والذلِّ، وانتهاكِ الحقوق، وطَلْيِ قبرِها بالكِلسِ ليُدفَنَ ذِكرُها الى الأبد.
لقد هالَني النَّبضُ التّنظيريُّ العالي اللَّهجة، والأيدي المرفوعةُ في خطاباتٍ تستحقُّ التّصفيقَ والهُتاف، والمحتوى الواحدُ الذي ينسحبُ على المناظراتِ الرنّانةِ التي أَتحفَنا بها مَنْ سَمّوا أنفسَهم أركانَ المواجهة.
اسمعْ تفرحْ، اختَبِرْ تحزنْ. نعم، إنّ كوماتِ التّصريحاتِ، تقودُنا الى الاقتناع بأنّ أصحابَها يحملونَ القضيةَ الوطنيّةَ في عمقِ وجدانِهم، ويشكّلون صمّامَ أمانٍ لِتَوقِ الناسِ الى الخلاصِ من معاناةٍ أفقدَتهم الثقةَ بوطنِهم، وبأنفسِهم. لقد طالعَنا قياديّو الثورةِ، والانتفاضة، والمجتمعِ الرّافض، وبعضِ التنظيماتِ والأحزابِ السياديّة، بكثيفِ تحليلاتٍ، وتنظيراتٍ، لم تكن سوى ورقةٍ واهيةٍ تحجبُ إحدى أكثرِ عَوراتِهم، وهي التّناقضُ بين القَولِ والفِعل. وما أَعنيه بالتناقضِ هو، حتماً، الكذِب، وهو ليس موبقةً عابرةً يمكنُ التّغاضي عنها، بقَدرِ ما هو مؤشِّرٌ يقودُ الى عدمِ تصديقِ تُرَّهاتِ هؤلاءِ الذين يظهِّرون أنفسَهم زعماءَ، وقَيِّمينَ على أمنياتِ البائسين من الشَّعب، وقارِبَ نجاةٍ للوطنِ الذي تبتلعُهُ الأَنواء.
من هنا، فقد انفضحَت مناداتُهم بالعُبورِ الى الأفضلِ الذي يدّعونه، وليسوا، في الحقيقة، سوى نسخةٍ ممسوخةٍ عَمَّن أوصلونا الى جهنّم.
إذا كان المطلوب، وبإلحاح، ولادةً متجدِّدَةً لن تحصلَ إلّا من بَطنِ الديمقراطيّةِ نفسِها، وهي بحاجةٍ الى جرعةِ صدقٍ من العيارِ العالي، فهل هذه متوفِّرَةٌ في الزعماوُتِيّينَ والمُتَسَئِّلين (صيغة مبالغة لِـ”مسؤول”)؟ بالطَّبع، لا.
فهؤلاءِ “الوطَنجيّون”، في أكثرِهم، يرفضون مَدَّ اليَدِ الى مَنْ يحملون، كما هم، قضيةَ الوطنِ في وجدانِهم، ولا يرغبون في مشاركتِهم اللَّوائحَ الانتخابية الموحَّدَة، ويُديرونَ ظهورَهم للحِوارِ معهم، وكأنّهم من طينةٍ أخرى، ويمارسون، صراحةً، فكَّ ارتباطٍ وطنيّاً معهم، ومن دونِ أن يرفَّ لهم جَفن!! كنتُ أظنُّ أنّ الذين أشرتُ إليهم، في مقطعٍ سابِق، يلتزمون بخطٍّ وطنيٍّ واحد، ويشتغلون، سياسيّاً، انطلاقاً من رؤيةٍ واضحةٍ مُمَدمَكةٍ على المبادئ والمُثُلِ نفسِها، وقد تَرَبَّوا في حضنِ حالةٍ وطنيّةٍ واحدةٍ. لكنَّ الواقعَ يثبتُ أنّ التفكُّكَ هو المسيطر، وأنّ التّباينَ هو المِعيار، وأنّ المنافسَة هي الهدف.
بالعَودةِ الى الأسبابِ الموضوعيّةِ التي تقودُ الى هذا السّلوك، لا يبدو، أمامَ النَّواظرِ، إلّا الحقدُ المُحَفِّزُ لغريزةِ الانتقام، كما العدائيّةُ المُتَجَذِّرةُ في تاريخٍ موبوء، وكذلك، الرَّكضُ الجدّيُّ الى “القَوطَبَة” لانتزاعِ مراكزَ نيابيّةٍ، هي، بالنسبةِ لبعضِ “الوطنجيّين” أَهَمُّ ما في أهدافِهم. هذه المنظومةُ المُواجِهَةُ، في الشَّكل، يُسهمُ أداءُ بعضِ أقطابِها في صَوغِ حقيقةِ انتسابِهم الى المُخَطَّطِ الذي ينبغي التَّكَوكُبُ عليهِ وصولاً الى الخلاص.
لقد باتَت حقيقتُهم مُعلَنَةً، سافرةَ الوَجه، وهم، بالتالي، لا ينتمونَ الى نَمَطِ المواجهة، بل يتلطَّونَ خلفَه لتحقيقِ مآربَ شخصيّة، ونَفعٍ فرديٍّ، وتَمريكٍ حاقِد، وهذا لا يمَتُّ، بتاتاً، الى ماهيّةِ الحِراكِ الوطنيّة، وبالتالي، يُسهمُ في إفشالِ حالةِ المواجهة، ويُحبِطُ النّاسَ الذي علَّقوا آمالَهم عليها.
في الختام، الصورةُ قاتمةٌ جداً، وللأسف، والانتخابات باتَت، استناداً إلى ما تقدَّمَ، بلا جَدوى. إنّ الوضعَ الخلافيَّ بين أفرقاءِ المواجهةِ هو، تحديداً، ما يغتالُ تَطَلُّعَ الناسِ الى التّغيير، ويقضي على ما تبقّى من رجاءٍ في نفوسِهم، هذا، إذا لمّا يزلْ هذا المُتَبَقّي باقِياً. وحتى لا يتعمَّقَ إحباطُ المُحبَطين، المطلوبُ هو أداءٌ صواب، مِمَّن يحملون لواءَ المواجهة، يضعُ نِصبَهُ مصلحةَ الوطنِ، وآمالَ الناس، ليس إلّا، وغيرُ ذلك لا يُسَمّى سوى طَعنٍ للأمانة، والمشاركةِ في حَملِ رَفشٍ لاستكمالِ نَبشِ جهنَّم لبنان.