#adsense

الرئيس في “نصف الولاية”: النجاحات والخيبات…

حجم الخط

انطلاقاً من مبدأ صديقك من صدقك اردت ان اقوم بقراءة موضوعية وصادقة ودقيقة لأول نصف ولاية من عهد الرئيس ميشال سليمان ناقلاً بكل شفافية ما يقوله الناس خصوصاً اولئك الذين علقوا آمالاً كبيرة على وصول الرئيس ميشال سليمان إلى سدة رئاسة الجمهورية، وما سأقوله اليوم هو انطلاقاً من محبتي واحترامي وتقديري الذي لا حدود له لشخص الرئيس ولموقع الرئاسة وحرصاً على الصداقة التي تربطني بالرئيس منذ سنوات ولكي يتذكر اللبنانيون هذا العهد بالخير والنجاح وفي اتخاذ المواقف والخيارات الصائبة.

ثلاث سنوات مرت على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ثلاث سنوات حفلت بنجاحات ولكنها لم تخلو ايضاً من إخفاقات وخيبات. فالرئيس التوافقي الواصل إلى قصر بعبدا تحت مظلة اتفاق الدوحة المرحلي، كان انتخابه في حد ذاته انجازاً وحدثاً، اذ يكفي انه وضع حداً لفراغ رئاسي متماد كاد ان يهدد بتفكك المؤسسات وتعطلها. وحظي انتخاب الرئيس سليمان بدعم عربي ودولي غير مسبوق وظفه قدر المستطاع لإعادة لبنان إلى مكانته الدولية وما كان له من دور وحضور في المنطقة والعالم. وسعى سليمان جاهداً إلى ترجمة موقعه ودوره التوافقي في السياسة الداخلية وفي العلاقات الخارجية. ومثلما حاول جاداً في إخراج لبنان من سياسة المحاور الاقليمية وفي انتهاج سياسة انفتاح مع كل الدول المؤثرة في لبنان والمعنية بواقعه ومستقبله، حاول ايضاَ بامكاناته المتواضعة إخراج لبنان من حالة الاصطفاف والانقسام السياسي والطائفي عبر إطلاق هيئة الحوار الوطني في قصر بعبدا وتعميم ثقافة الحوار والانفتاح والاعتدال وإقامة علاقات متوازية مع كل الافرقاء و السياسيين. وقد أظهر الرئيس قدرة في ان يكون توافقياً ومتوازناً واثبت فعلاً انه يقف على مسافة واحدة من الجميع.

يسجل لعهد الرئيس سليمان في نصفه الأول انه كان الاكثر استقراراً على كل الصعد السياسية والامنية والاقتصادية ولم يحدث اهتزاز في هذا الاستقرار الا في الاشهر الاخيرة ولأسباب وظروف أقوى من لبنان وخارجة عن ارادته . فلبنان لم يشهد في مرحلة ما بعد الطائف حكومة وحدة وطنية متوازنة سياسياً وطائفياً كالتي قامت قبل سنتين وما زالت بصفة "تصريف الأعمال" بغض النظر عن تجربتها الناجحة أو الفاشلة في الحكم والاسباب التي أدت إلى سقوطها. ولبنان لم يشهد انتخابات حرة ديمقراطية اعترف الجميع بنتائجها وصدقيتها مثل الانتخابات التي جرت في العام 2009. ولبنان لم يعرف هدوءاً واستقراراً أمنياً شاملاً مثل الاستقرار الذي عاشه في الاعوام الثلاثة الماضية… ولبنان لم يحقق نمواً اقتصادياً بنسبة مرتفعة فاقت التوقعات ولا تدفقاً سياحياً واستثمارياً كالذي حصل في العام 2010.

هذه كلها نجاحات وانجازات ومحاولات جيدة ولكن لم يقدّر لها ان تصبح مكتملة وناجزة. فطاولة الحوار الوطني دارت لأشهر في الجلسات الروتينية وفي الحلقة المفرغة قبل ان تتوقف وتصيبها لوثة الانقسام السياسي. وحكومة الوحدة الوطنية التي لا تشكو من خلل في الشكل والتركيبة والتوازنات أصبحت موضع شكوى وتذمر من قبل الناس لأن الخلافات السياسية عطلتها وشلت قدراتها. الحكومة الأفضل تمثيلاً كانت الأقل انتاجية وأقرب إلى حالة تصريف الأعمال قبل استقالتها، حتى انها لم تفلح في تعبئة الفراغات في الدولة وملء المراكز الشاغرة الآخذة في الاتساع. وازاء هذا الوضع لم يستطع الرئيس سليمان ان يفعل الكثير لاحتواء الانقسامات والتوترات السياسية أو لإخراج الدولة ، حكومة ومؤسسات وسلطات، من حال الجمود والمراوحة والاستنقاع. وبدا ضعيف التأثير في مجريات الأمور والأحداث وإلى درجة ان صفة "الرئيس التوافقي" صارت مرادفة بالنسبة لكثيرين من السياسيين واتباعهم ومناصريهم لصفة "الرئيس الضعيف" المغلوب على أمره.

لا يمكن تحميل رئيس الجمهورية لوحده مسؤولية هذا الوضع الذي حفل بثغرات وعثرات متعددة، ويسير منذ مطلع هذا العام على طريق التدهور والتأزم، ولا بد من الاشارة إلى عاملين رئيسيين ساهما في فرملة اندفاعة العهد وفي الحد من دوره وخفض سقف طموحاته وخططه:

– العامل الاول يتعلق بخلل بنيوي في النظام اللبناني الذي زاده دستور الطائف التباساً وتعقيداً وإبهاماً، وتحديداً في ما يخص دور وصلاحيات رئيس الجمهورية الذي يجد نفسه مكبلاً ومقيداً لا يملك بين يديه الامكانات والصلاحيات للتدخل واتخاذ قرارات ومبادرات. واذا سلمنا جدلاً ان دور رئيس الجمهورية هو "الحكم"، يجب ان يُعطى على الاقل "صفارة مع توابعها" كي يكون قادراً على رعاية وادارة اللعبة السياسية والتأثير في مسارها وقواعدها.

وفي الواقع، ثمة فجوة كبيرة في الدستور بين المسؤوليات المترتبة على رئيس الجمهورية والآمال المعلقة على دوره والملقاة على عاتقه، وبين الصلاحيات والسلطات المعطاة له. وثمة حاجة وضرورة، استناداً إلى تجارب السنوات الماضية وما كشفته الممارسة من ثغرات ونواقص، إلى إدخال تعديلات دستورية لا تكون هادفة إلى تعزيز موقع رئاسي على حساب موقع آخر، وانما إلى تمكين الرئيس من القيام بمسؤولياته وبدوره على نحو فاعل ومؤثر.

-العامل الثاني يتعلق بظروف وأوضاع خارجة عن ارادة الرئيس سليمان وساهمت في تقييد حركته. ففي الداخل اللبناني اشتدت التوترات الطائفية والمذهبية والسياسية وبلغت مستويات غير مسبوقة بسبب مسألتين خلافيتين وحساستين: المحكمة الدولية وكل ما يتفرع ويصدر عنها، سلاح "حزب الله" وكل ما يندرج في اطار العلاقة بين المقاومة والدولة. وزاد الامر سوءاً مع انهيار الحوار الوطني من جهة وحكومة الوحدة الوطنية من جهة ثانية من دون ان تتوافر بدائل لا عن هذه ولا عن ذاك…

وفي المنطقة العربية، كانت كل العوامل والظروف تشد بالوضع اللبناني نزولاً وتزيده غموضاً وصعوبة وتعقيداً. المصالحات العربية لم تعمّر طويلاً والتفاهم السوري – السعودي لم يثمر على ارض لبنان. وبعد وصول عملية السلام إلى طريق مسدود واشتداد الصراع بين مشروعي ومحوري الاعتدال والممانعة، دخلت المنطقة العربية عصر الثورات الشعبية والعواصف والتحولات وشهدت زلزالاً سياسياً عنيفاً وصلت ارتداداته إلى الداخل اللبناني. وكان من نتيجة هذا الوضع العربي الطارئ والاستثنائي ان تعمق المأزق السياسي ونشأ فراغ حكومي وحصلت اهتزازات أمنية وسجل تراجع ملحوظ في الحركة والمؤشرات الاقتصادية والمالية.

كل هذا حاصل صحيح وهذا يعطي العهد أسباباً تخفيفية في لحظة إصدار الحكم عليه مع اجتيازه عتبة النصف الأول. ولكن لا يمكن ولا يجوز ايضاً إعفاء الرئيس ميشال سليمان من كل مسؤولية والتغطية على أخطاء ارتكبت سواء في ادارة الازمات أو في تقدير الامور أو في تقصير أو سوء اختيار…

الرئيس سليمان أصبح أسير "المعادلة التوافقية" التي أوصلته إلى قصر بعبدا والتي ترجمت احياناً بطريقة عكست ضعفاً وتردداً عند الرئيس بسبب ما أبداه من مسايرة ومراعاة زائدة للمواقع والخواطر ونزوع إلى سياسة "صفر مخاطر ومشاكل" تحت عنوان وذريعة حفظ التوازنات… وهذا ما أدى إلى إفقاد رئاسة الجمهورية روح المبادرة والاقدام وإلى ان تظهر بمظهر المتفرج على الاحداث والمواكب لها بصفة مراقب وسيط، بينما المطلوب ان يكون للرئاسة دور وتاثير على مجريات الاحداث ومسار الاوضاع على نحو ما حصل في الايام الاخيرة الماضية في موضوعين حساسين: الاول اقليمي يتعلق بالوضع والاحداث الجارية في سوريا، والثاني محلي يتعلق باشتباك وزارة الاتصالات السياسي والامني.

وإذا كان مفهوماً ان هناك موانع حالت دون إجراء تعيينات في مراكز حساسة في الدولة أصبحت شاغرة ومشغولة بالانابة او بالوكالة، فما هو ليس مفهوماً ان يدخل الرئيس السنة الرابعة من عهده وليس بين يديه طاقم وفريق عمل كفوء ومتكامل باستثناء قلة قليلة، وعملياً هو أول رئيس جمهورية يحكم بغير "رجاله" ولا يكون لعهده رجال خاصون به… فليس مسموحاً ولا مبرراً ان تكون هناك ثغرات في فريق العمل الرئاسي ولايكون هذا الفريق في مستوى مشروع الرئيس ومستوى خطاب القسم، ولا قادراً على إيصال صوت العهد ورسالته إلى المجتمع والرأي العام اللبناني. وليس مفهوماً ولا مبرراً ان تحصل خيبات متكررة في الفريق الوزاري لرئيس الجمهورية مع اننا نعتبر ان الرئيس يحق له اكثر من حصة وزارية محدودة وان فكرة الثلث المعطل وُضعت خصيصاً لتحصين دوره وموقعه. فباستثناء الوزير زياد بارود الآتي من المجتمع المدني والذي حاز على ثقة اللبنانيين، والحيثية السياسية للوزير الياس المر والذي لعب دوراً مؤيداً لمصلحة وصول سليمان إلى سدة الرئاسة ، فإن الوزراء الآخرون الذين مثلوا الرئيس في حكومتين حتى الآن كانوا وزراء مشكوكاً في ولائهم أو لا يمثلون شيئاً داخل التركيبة اللبنانية او لا (بهشوا ولا بنشوا)، وموزعين بين وزير صامت لا يدافع عن مواقف وخيارات الرئيس، ووزير يحسب نفسه أهم من الرئيس، ووزير وديعة محسوب على الرئيس وعقله وقلبه في مكان آخر، ووزيرة دولة ناشطة اجتماعياً ولكنها لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.

ان الظروف الصعبة والدقيقة التي تمر بها المنطقة تتطلب رجالاً ملتزمين واصحاب مواقف ولديهم حيثيتهم و حضورهم السياسي ، وهذا ما يساعد على ان يتحول ميشال سليمان الرجل "النظيف والآدمي والعاقل" في النصف الثاني من عهده من رئيس"ادارة الازمة" إلى رئيس "ادارة الحل".

قال الصديق الكبير السفير فؤاد الترك في ذكرى الرئيس الراحل فؤاد شهاب، الرجال أصناف:

صنف يأتي إلى هذا العالم ويذهب وكأنه لا أتى ولا راح.
وصنف يستمد مكانته من لقب أو موقع يبلغه، وهذا عابر ينتهي تأثيره ونفوذه بانتهاء اللقب والموقع.
وصنف يدخل التاريخ، من بابه الأسود، بظلمه وطغيانه واستبداده واجرامه، فيلعن ويرجم.
وصنف يدخل التاريخ بصفحات ناصعة بيضاء، وبما يبني من انجازات وطنية تبقى شاهداً له على الدهر، وهذا هو الصنف الخالد من الرجال. فالملوك ورؤساء الجمهوريات والقادة يدخلون ذاكرة الناس وسجل التاريخ بمواقفهم وسيرة حياتهم، وإلا أفلت شمسهم عندما يصبحون خارج السلطة أو في الغياب.

ونأمل ان يكون الرئيس ميشال سليمان من الصنف الاخير فينصفه التاريخ ويسجل له على صفحات بيضاء وناصعة مواقفه الوطنية في الحكم.

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل